الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٨
أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ)[١]، ثم ما أتبَعَ قوله هذا بذكر يوم القيامة وبيان أوصافها وعظيم أهوالها بقوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)[٢].
فأين هو من قول القائل: «الفيل، ما الفيل وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل». فإنّ مثل هذه الفاتحة تجعل مُقَدِّمَةً لأمر عظيم الشأن متناه الغاية، فإذا بالمعارض يجعله مقدمة لذكر الذَّنَب والمشفر، ويتصور أنّه تحققت المعارضة، ويا ليته أتبع تلك المقدمة، بما أعطيت هذه البهيمة العجماء من الذهن والفطنة الّتي به تُفْهِمُ سائسها ما تريده، فلعلّه كان أقرب إلى مقصوده!!.
الشك في صحة نسبة هذه المعارضات
وهناك احتمال بأن لا تكون هذه الكلمات قد وضعت ليعارض بها القرآن، وإنّما وضعها أعداء مسيلمة للتفكُّه والسَّمَر، أو وضعت لغاية دينية وهي تأكيد إعجاز القرآن عندما تُقارَن هذه المفتريات إلى الآيات الباهرة في الكتاب العزيز. مع أنّ إعجاز القرآن ليس في حاجة إلى مثل هذا بعدما سكت فحول البلاغة عن معارضته.
وممّا يثير الشكّ في كون مسيلمة قائل هذه الجمل التافهة، ما أثر عنه من بعض الكلمات الّتي هي في البلاغة بمكان عال، كقوله عندما اجتمع مع سجاح التميمية: «هل لَكِ أن أَتَزَوَّجُكِ فآكلَ بقومي وقومك العرب؟»[٣]. فإن هذه الكلمة تدلّ على مكانة الرجل في الفصاحة وجميل التأتي لما يريد. فخيّل لسجاح أنّه سيأكل بقومه وقومها العرب، وهل كانت تقصد سجاح غير هذا؟ وهل كان يقصد من اتبعوها إلاّ أكل العرب والإستيلاء عليهم؟ فإذا قارنّا بين كلمته هذه،
[١] سورة القارعة: الايات ١ ـ ٣.
[٢] سورة القارعة: الآيات ٤ و٥.
[٣] تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٤٩٩.