الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٥
نعم إذا كانت هذه المبادي كافية في تحريك الأكثرية، نحو الطاعة، ولكن القليل منهم لا يمتثلون إلاّ في ظروف خاصة، كاليسر في الرزق، أو كثرة الرفاه، فهل هو واجب على الله سبحانه؟.
الظاهر لا، إلا من باب الجود والتفضل.
وبذلك يعلم أن اللطف المقرب إذا كان مؤثراً في رغبة الأكثرية بالطاعة وترك المعصية يجب من باب الحكمة.
وأما إذا كان مؤثراً في آحادهم المعدودين، فالقيام به من باب الفضل والكرم.
وبذلك تقف على مدى صحة ما استدل به بعضهم على اللطف في المقام، أو سقمه.
استدل القاضي عبد الجبار على وجوب اللطف بقوله: «إنه تعالى كلّف المكّلف، وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب، وعلم أن في مقدوره ما لو فعل به لاختار عنده الواجب، واجتنب القبيح، فلا بد من أن يفعل به ذلك الفعل وإلا عاد بالنقض على غرضه، وصار الحال فيه كالحال في أحدنا إذا أراد من بعض أصدقائه أن يجيبه إلى طعام قد أتخذه، وعلم من حاله أنه لا يجيبه، إلا إذا بعث إليه بعض أعزته من ولد أو غيره، فإنه يجب عليه أن يبعث، حتى إذا لم يفعل عاد بالنقض على غرضه. وكذلك ها هنا»[١].
وقال العلامة الحلي: «إن المكلِّف (بالكسر) إذا أن المكلِّف لا يطيع إلا باللطف، فلو كلفه من دونه كان ناقضاً لغرضه، كمن دعا غيره إلى طعام، وهو يعلم أنه لا يجيبه إلا أن يستعمل معه نوعاً من التأدّب، فإن لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب كان ناقضاً لغرضه، فوجوب اللطف يستلزم تحصيل الغرض»[٢].
[١] شرح الاصول الخمسة، ص ٥٢١.
[٢] كشف المراد، الفصل الثاني، المسألة الثانية عشرة، ص ٣٢٥، ط قم ١٤٠٧ هـ .