الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٧٩
يقول سبحانه: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَ إنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي...)[١].
بعد هذا كلّه نقول: إذا كان هذا حال الإنسان العادي الّذي لم يطرق إلاّ باب الرياضة، أو العارف الّذي قام بالفرائض واجتنب المحرمات، فكيف بمن وقع تحت عناية الله سبحانه ورعايته الخاصة، وتعليم ملائكته، إلى أن بلغت نفسُه أعلى درجات القوة والمقدرة، إلى حدّ يقدر ـ بإرادة ربّانية ـ على خلع الصور عن المواد وإلباسها صوراً أُخرى، ويَصِيرَ عالمُ المادة مطيعاً له، إطاعة أعضاءِ بدن الإنسان له.
وفي الذكر الحكيم إشارات إلى هذا المعنى حيث ينسب تعالى الإتيان بالمعجزة إلى نفس الرسول بقوله: (ما كان لرسول أن يَأتيَ بآية إلاّ بإذن الله)[٢]. فإنّ الفاعل في «يأتي» هو الرسول المتقدّم عليه.
وقد يؤيّد هذا الإحتمال بما ورد في توصيف الأنبياء بأنّهم جند الله، وأنّهم منصورون في مسرح التحدي ومقابلة الأعداء. قال سبحانه: (وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَ إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)[٣]. وكون النبي منصوراً في جميع المواضع، ومنها مواضع التحدي، يَدُلّ على أنّ له دوراً ودخالة في الإتيان بخوارق العادات.
ونظير ذلك قوله سبحانه: (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي)[٤]، فوصف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بكونه غالباً، ولا معنى للغالبية إلاّ لدخالته في مواضع التحدي.
[١] سورة النمل: الآيات ٣٨ ـ ٤٠.
[٢] سورة غافر: الآية ٧٨.
[٣] سورة الصافات: الآيات ١٧١ ـ ١٧٣.
[٤] سورة المجادلة: الآية ٢١.