الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٢٧
الإنسان إلى الإنتقال إلى سمات أُخرى لدعوته، منها:
١ ـ سرعة انتشارها في أقطار العالم جميعاً لا سيما بين الأُمم المتحضرة، سرعة لم ير التاريخ لها مثيلاً. فطفق المعتنقون به، المجهزون بسلاح الإيمان والإخلاص، يغلبون الأُمم القوية المتحضرة المجهزة بأرهب أنواع السلاح المادي وأفتكه. ولم يمض قرن ونصف من رحيل صاحب الدعوة، إلاّ وقد ملأ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، وانتشر انتشاراً حيّر النُّهى والعقول.
٢ ـ إنّ الأُمَّةَ المؤمنة، وإن غلبت أصحاب الحضارات، وأزالت عروشهم، لكنها ما عَفَت على حضاراتهم العلمية والصناعية، بل حفظت الصالح منها، وقامت بتأسيس حضارة جديدة تشتمل على الأصلح من السابقة، وما أبدعته هي. وبذلك افترقت عن سائر الثورات البشرية الّتي كثيراً ما تنجر إلى تخريب البلدان وتدمير الحضارات. فأصبح التمدن الإسلامي، حضارة إنسانية مكتملة الأبعاد، بلغت في العظمة إلى حدّ شكّلت معه الأساس الّذي بنيت عليه الحضارة الغربية الحديثة، بحيث لولا الحضارة الإسلامية لزالت الحضارات السابقة عليها، ولما لحقها أيّ تمدن، لأنّها صانت السالف من الحضارات عن الإندثار والضياع، وطورته وأبدعت فيه. فالحضارة الإسلامية ـ بلا تحفظ ـ جسر بين الحضارات اليونانية والرومانية والفارسية، والتمدّن الصناعي الحديث.
٣ ـ تضحية المعتنقين لدينه، وتفانيهم في سبيله بالنفس والنفيس، وذلك في ظل تحقق شعور ديني عميق وإيمان قوي به وبشريعته، حتى قدّموا كلّ دقيق وجليل ممّا يملكون في سبيل نصرته وإعزازه، وهذا لو دلّ على شيء لدّل على إيمانهم بفضائله وكمالاته، وإيقانهم بأنّه رجل إلهي سماوي، بعث لإنقاذ البشر، وأنّ اجتماعهم والتفافهم حوله لم يكن طلباً لشيء من الزخارف الدنيوية. وهذا وإن كان لا يصدق على جميع أصحابه وحوارييه، لكنه صادق على الكثيرين ممن تربوا في أحضانه، واستنارت ألبابهم واستقامت فطرهم في ظل تعاليم شريعته.
وبعد جميع ما ذكرناه، فاللازم على المنصف المتحري للحقيقة، أن يبحث عن حقيقة هذه الدعوة، وصحة دلائلها، حتى يجيب الداعي النفساني للمعرفة