الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٠٧
وقسم تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية، كالنصارى والصابئين وطوائف من وثنيي الهند أصحاب الرياضات.
فجاء التقنين القرآني وجمع بين الحقّين: حقِّ الروح وحقِّ الجسد، ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)[١]. فعدّل الغرائز والميول تعديلاً يضمن سعادة الإنسان.
فدعا إلى الالتذاذ بملاذ الحياة وقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)[٢].
وفي الوقت نفسه، دعا إلى النكاح وحسن معاشرة النساء وقال: (وَ أَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَ إِمَائِكُمْ)[٣]وقال: (وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[٤].
ودعا إلى الضرب في الأرض سعياً لطلب الرزق، فقال: (هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ)[٥].
ومع ذلك كلّه فلم يفسح له المجال للالتذاذ المطلق بل حدده في مجال إعمال الغريزة الجنسية وجمع الثروة وغير ذلك من ملاذ الحياة، بحدود وقيود. فمنع الفجور والزِّنا، وأَكْلَ المالِ بالباطل، وأَخْذَ الربا، وغصب الأموال، والسرقة فالقرآن دعا إلى طلب الدنيا في نفس الوقت الّذي دعا فيه إلى طلب الآخرة، فقال: (وَ ابْتَغِ فِي مَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَ لاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)[٦].
[١] سورة البقرة: الآية ١٤٣.
[٢] سورة الأعراف: الآية ٣٢.
[٣] سورة النور: الآية ٣٢.
[٤] سورة النساء: الآية ١٩.
[٥] سورة المُلْك: الآية ١٥.
[٦] سورة القصص: الآية ٧٧.