الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٠٨
وهذا من المباحث الحساسة في النبوّة العامة، إذ به تتبين حدود المعجزة الّتي تمّيزها وتفصلها عن سائر خوارق العادة.
والجواب: إنّ هناك مجموعة من الضوابط والحدود الّتي تمتاز بها المعجزة عن سائر خوارق العادة وهي:
الأول: إنّ السِّحر ونحوه رهن التعليم دون الإعجاز
إنّ ما تنتجه الرياضة والسحر والشعوذة من آثار خارقة للعادة، جميعها خاضعة لمناهج تعليمية، لها أساتذتها وتلامذتها، وتحتاج إلى الممارسة المتواصلة والدؤوبة حتى يصل طالبها إلى النتائج المطلوبة، فينام على مسامير مُحَدَّدَة، وتكسر الصخور بالمطارق على صدره، من دون أن يصاب بجراح في صدره أو ظهره، أو يقوم بحركات توجب تأثيراً نفسياً على إنسان آخر، فيُذهب وَعْيَه ويتصرف فيه، أو يقوم بألاعيب خفيّة يبهر بها العيون، ويستولي بها على القلوب، فيصوّر غير الواقع واقعاً متحققاً. وكل هذا آثر التعليم والتعلّم وكثرة الممارسة والمجاهدة.
وأمّا الإعجاز الّذي يقوم به الأنبياء فإنّه منزّه عن هذا الوصمة، فإنّ ما يأتونه من الأعمال المدهشة الخارقة للعادة، لم يدرسوه في منهاج، ولا تلقوه على يد أُستاذ، ولا قضوا أعمارهم في التدرّب والتمرّن عليه.
ولأجل ذلك نرى أنّ الكليم ـ عليه السَّلام ـ عندما رجع من مَدْيَن إلى مصر: (نُودِيَ مِنْ شَاطئ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَاَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَ مَلَئِهِ)[١].
فكان هذا عملاً إبداعياً غير مسبوق بتعلّم ولا تمّرن، ولذلك استولى عليه
[١] سورة القصص: الآيات ٣٠ ـ ٣٢.