الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٣٧
أشعارهم، فعلّقوها على جدار الكعبة، بعد ما كتبوها بماء الذهب، فكان يقال هذه مُذَهّبة امريء القيس إذا كانت أجود شعر.
كما بلغ اهتمام رجال العرب ونسائهم بالخطابة والشعر إلى أنّهم كانوا يحتفلون كل عام في موسم الحج إحتفالات كبيرة لإلقاء الخطب والأشعار. وكان النابغة الذبياني هو الحَكَم في تمييز الراجح من المرجوح، فيأتي سوق عكاظ وتضرب له فيه قُبّة حمراء من الأَدم، فيأتيه الشعراء، فيعرض كلّ أبياته الّتي صاغها طيلة السنة المتقدمة[١].
وفي هذه الأجواء، كانت المناسبة تقتضي أن تكون معجزة المدّعي مشابهة للفن الرائج في ذلك الظرف، فلذلك جاء بمعجزة البيان وبلاغة الكلام، حتى يعرف كلُّ عربي أو الأخصائي منهم أن قُرآنه بعذوبته وحلاوته، وسمو معانيه وعمقها، وروعة نظمه وبداعة أُسلوبه[٢]، خارج عن إطار الكلام الرائج بين فصحاء العرب وبُلغائهم أولاً، وخارج عن طاقتهم ومقدرتهم ثانياً. وسيوافيك تصديق أكابرهم وفحولهم المعاصرين للنبي الأعظم، بكون كلامه خارجاً عن طوق البشر ومقدرته، كما سيوافيك تحليله بوجه علمي ملموس.
وهناك كلام لأحد أئمة الشيعة ـ قيِّمٌ جِدّاً ـ نأتي به:
روى الكليني عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السَكّيت[٣]، لأبي الحسن[٤]: «لماذا بعث الله موسى بن عمران ـ عليه السَّلام ـ بالعصا، ويده
[١] شعراء النصرانية، ج ٢، ص ٦٤٠، ط بيروت.
[٢] سيوافيك أنّ الإعجاز البياني للقُرآن يقوم على أُسس أربعة هي الّتي أشرنا إليها في المتن.
[٣] أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي، أحد أئمة اللغة والأدب، وكان حامل لواء علم العربية، وله تصانيف منها: كتاب تهذيب الألفاظ، وكتاب إصلاح المنطق، قتله المتوكل في خامس شهر رجب عام ٢٤٤ هـ، بحجة أنّه قال إنّ قنبراً ـ خادم علي ـ خير منه ومن ابنيه. فقال المتوكل للأتراك، سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا، فمات. لاحظ تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص ٣٧٦.
[٤] الإمام الهادي أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الرضا، المدفون بسامراء، الشهيد بيد المعتزبالله عام ٢٥٢ هـ .