الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٩٥
(أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ)[١].
(أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ)[٢].
وأما ما ذُكر من الآية، فليس ظاهراً في كون المراد منه الجمّ الغفير، بل كلّ الناس، غاية الأمر أنّها خُصِّصت بأَهلِ عالمي زمانهم، مثل قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)[٣].
وعلى أي تقدير فسواء فُسّرت الآية، بالجمّ الكثير من الناس، أو خصِّصت بأهل عالمي زمانهم، فإنّما هو لقرينة صارفة عن ظاهرها، حيث إنّ القرآن دلّ على أنّ الأُمّة الإسلامية أفضل الأُمم، مثل قوله سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[٤]. ودلّت الأحاديث على أنّ ابنة النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فاطمة ـ عليها السَّلام ـ ، مثل مريم أو أفضل منها[٥]. فهذا وتلك صارتا قرينتين على صرف الآيتين[٦] عن ظاهريهما، وأمّا غيرهما فيُحْمل على المعنى الحقيقي، أي الناس كلّهم إلى يوم القيامة.
* * *
[١] سورة الشعراء: الآية ١٦٥.
[٢] سورة الأعراف: الآية ٨٠.
[٣] سورة آل عمران: الآية ٤٢.
[٤] سورة آل عمران: الآية ١١٠.
[٥] أخرج البُخاري ومسلم والتِّرْمذي في صحاحهم عن عائشة قالت: إنّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لفاطمة في أُخريات أيامه: «ألا ترضين أن تكوني سَيِّدةَ نساءِ المُؤْمنينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِساءِ هذه الأُمَّة»، (لاحظ التاج الجامع للأُصول، ج ٣، ص ٣١٤).
وأخرج ابن سعد عن مسروق عن عائشة في حديث أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أَسَرّ إلى فاطمة عند مرضه وقال: «أما ترضَينْ أن تكوني سيدة نساء هذه الأُمة، أو نساءِ العالمين». (الطبقات الكبرى، ج ٨، ص ٢٧. وحلية الأولياء، ج ٢ ص ٤٠)، ولولا هذه الأحاديث لقلنا بتفضيل مريم على نساء العالمين إلى يوم القيامة، كما أنّه لولا صراحة الآية في تفضيل هذه الأُمّة لقلنا بتفضيل بني إسرائيل على الناس كلّهم إلى يوم القيامة.
[٦] سورة البقرة: الآية ٤٧ وسورة آل عمران: الآية ٤٢.