الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٢
والدراية والتجربة قادرة على القيام بهذه المهمة؟ أم أنّ الَمْرجِعَيْن المتقدمين ـ مع تقدير عملهما والاعتراف بانتفاع الإنسان من هدايتهما في مسير حياته ـ قاصران عن القيام بهذه المهمة، ولا بدّ من مرجع ثالث له الإحاطة الكاملة بالفطريات والغرائز البشرية وما يصلحها ويقوّمها، وهم الأنبياء والرسل الإلهيون المعصومون من الخطأ والزلل، والمؤيدة هدايتُهم بضمانات إجرائية قاهرة؟.
نحن نعتقد أن الأمر الثالث هو المتعين، وأن المرجعين الأوَّلَين غيرُ وافيين بمعالجة المشكلة.
أما العقل، فمع الإعتراف بأنه يضي الطريق أمام الإنسان، ويأخذ بيده في المزلاّت والمزالق، إلا أنه قاصر عن مصارعة الغرائز المتفجرة وكبح ثورانها. فإن كلَّ إِنسان يعلم من نفسه أن غرائزه وميوله الشهوية إذا تفجرت، لم تترك للعقل ضياءً ولا للفكر نوراً، بل كان مثل العقل حينذاك مثل الإنسان المبصر إذا وقع في مهب الرياح والزوابع الرملية، فإنها تَكُفُّ بَصَرَه عن الرؤية وتُعَرْقِل مسيرهُ.
وفي تلك الحالات، لا ينفك العقل عن خداع صاحبه وإراءة المحاسبات الكاذبة لتبرير عمله، وإيجاد الذرائع لارتكابه، بحيث لوكان هذا الإنسان في موقف عادي خال عن ذلك الثوران في العواطف والغرائز لما اعتنى بشي من تلك التسويلات، ولذلك لا تجد مجرماً يقوم بجناية إلاّ وهو يلقي لنفسه الأعذار والتبريرات حين إقدامه عليها.
وكيثراً ما يستسهل الإنسان في تلك الحالات ـ على فرض إلتفاته إلى خطورة وقبح ما يقوم به ـ يستسهل ما يترتب عليه من الذم واللوم والعقاب، قضاءً لوَطره منه، وإشباعاً لشهوته ممّا يناله من اللذائذ المادية.
وأما رجالات الأخلاق والإجتماع، فمع أنّ لهم دوراً في تهذيب النفوس ودفعها إلى الكمال، وكبح جماح غرائزها على الإجمال، إلا أَنّ عملهم لا يخلو عن نقائص ربما تَذْهَبُ بأعمالهم أدراج الرياح.