الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٠
الرابع ـ إنّ السحر ونحوه محدود من حيث التنوع دون المعاجز
إنّ عمل أهل الرياضة والسحر، لما كان رهن التعليم والتعلّم، متشابه في نوعه، متّحد في جنسه، يدور في فلك واحد، ولا يخرج عن نطاق ما تعلمه أهله ومارسوه، ولذا لا يأتون بما يريده الناس والمتفرجون، بل بما تدرّبوا عليه، وافق طلب الناس أو لا.
بخلاف إعجاز الأنبياء، فإنّه على جانب عظيم من التنوع في الكيفية إلى حدٍّ قد لا يجد الإنسان بين المعجزات قدراً مشتركاً وجنساً قريباً. فشتّان ما بين قلب العصا إلى الثعبان الحي[١]، وضربها على الأحجار ليتفجر منها الماء[٢]، وضربها على البحر لينفلق شطرين، كل فرق كالطَّوْد العظيم[٣]، وإخراج اليد من الجبيب بيضاء تتلألأ[٤]، وغير ذلك من معاجز موسى ـ عليه السَّلام ـ .
وكذلك الحال في آيات المسيح البيّنات، المُبهرة للعقول والمدهشة للقلوب، فتارة ينفخ في هيئة الطير المجسّمة من الطين فتدب الحياة فيها، وتنبض بالدماء عروقها، فتكون طيراً بإذن الله. وأخرى يبرئ الأكمه والأبرص، وثالثة يحيي الموتى، ورابعة ينبئ الناس بما يأكلون في بيوتهم ويدّخرون فيها[٥]، ولذلك يصفها تعالى بالجلال والتقدير بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[٦].
وهذا التنوع في الكيفية، نتيجة كون قدرتهم مستندة إلى القدرة الإلهية.
نعم إنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون معاجز الأنبياء مناسبة للفنون
[١] قال تعالى: (فّأَلقى عَصاهُ فإذا هي ثُعْبانٌ مُبينٌ) (سورة الأعراف: الآية ١٠٧).
[٢] قال تعالى: (وَ إِذِ اسْتَسْقىَ مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) (سورة البقرة: الآية ٦٠).
[٣] قال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (سورة الشعراء: الآية ٦٣).
[٤] قال تعالى: (وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) (سورة الاعراف: الآية ١٠٨).
[٥] اقتباس من الآية ٤٩ من سورة آل عمران المباركة.
[٦] سورة آل عمران: الآية ٤٩.