الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٠١
الّتي يجدها كل إنسان في صميم ذاته من طريق الإبصار بالعين، والسمع بالأُذن، والتفكّر والإستدلال بالعقل.
وهذه الدعوى كانت تثير السؤال التالي:
إنّ ادّعاء الإدراك عن طريق الوحي، إدعاءُ أمر خارق للعادة، فإنّ الإدراكات الإنسانية لا تخرج عن إطار الحسيّات والخياليات والعقليات. فنحن لا نؤمن بقولكم هذا إلاّ إذا شاهدنا خرقاً للعادة يماثل ما تدّعون، حتى نستدلّ بخرق عادة مرئية، على وجود نظيرها في باطن وجودكم، وصميم حقيقتكم.
ومن منطلق إجابة هذا السؤال، كان الانبياء يفعلون الخوارق، ويأتون بالمعاجز، حتى يدللوا بذلك على تمكنهم من خرق العادة مطلقاً، سواء أكانت مرئية ـ كقلب العصا إلى الثعبان، وتسبيح الحصى ـ أو غير مرئية ـ كالإدراك غير المشابه للإدراكات العادية، الّذي هو الوحي.
وإن شئت قلت: كانوا يستدلون بخرق العادة الملموسة، على غير الملموسة منها.
وإلى ما ذكرنا يشير العلامة الطباطبائي(رحمهم الله)بقوله: «إنّ دعوى النبوّة والرسالة من كل نبي ورسول ـ على ما يقصه القرآن ـ إنّما كانت بدعوى الوحي والتكليم الإلهي بلا واسطة، أو بواسطة نزول ملك، وهذا أمر لا يساعده الحسّ ولا تؤيّده التجربة، فيتوجه عليه الإشكال من جهتين: إحداهما من جهة عدم الدليل عليه، والثانية من جهة الدليل على عدمه. فإنّ الوحي والتكليم الإلهي وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية مّما لا يشاهده البشر في أنفسهم، والعادة الجاري في الأسباب والمسبَّبات تنكره، وقانون العليّة العامة لا يجوزه، فهو أمر خارق للعادة.
فلو كان النبي صادقاً في دعواه النبوّة والوحي، لكان لازمه أنّه متصل بما وراءِ الطبيعة، مؤيّد بقوة إلهية تقدر على خرق العادة، وأنّ الله سبحانه يريد بنبوّته والوحي إليه، خرق العادة. فلو كان هذا حقاً، ولا فرق بين خارق وخارق، كان من الممكن أن يصدر من النبي خارق آخر للعادة من غير مانع، وأن يخرق