الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٧٧
إزالة شُبهات
شبهةٌ : ربما يتمسّك بعض القساوسة لتحديد دعوته، بما في الكتاب العزيز من قوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)[١].
غير أنّ الجواب واضح، أمّا نقضاً، فإنّ في نفس هذه السورة الّتي ورد فيها قوله (لِتُنْذِرَ قَوْمًا)، ما يدلّ بصراحة على عموم دعوته، وهو قوله تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)[٢].
وأمّا حلاً فإنّ طبيعة إبلاغ الدعوة ربما تقتضي توجيه الكلام إلى قسم خاص، وإنّ كانت الدعوة عالمية، والرسول في بدء دعوته، كان يمارس هداية قومه أوّلاً، ثم من يليهم في منطقة الحجاز، ثم من يليهم، ولأجل ذلك خصّ الخطاب بقومه:
والشاهد أنّه يقول في آية أُخرى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَ لاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ)[٣]. فيخصّ الإنذار بالوحي بالمخاطبين، بينما يعمّ الإنذار به كلُ الناس في قوله: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ)[٤].
شبهة ثانية : وربما يتمسك بتخصيص الإنذار بأُمّ القُرى وَمَنْ حَوْلَها في قوله سبحانه: (وَ هَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَهَا)[٥]، وأُمُّ القُرى إمّا عَلَمَ مِنْ أَعلام مَكَّةَ، أَو كُلِّي أُطْلِقَ عليها، فَتَخُصُّ الآيةُ دعوتَه بإطار أُمّ القُرى وَمَنْ حَوْلَها.
والجواب إمّا نقضاً: فإنّ في نفس السورة الّتي وردت فيها تلك الآية ما يدلّ
[١] سورة يس: الآية ٦. ونظيره، القصص: الآية ٤٦، سورة السجدة: الآية ٣، سورة مريم: الآية ٩٧.
[٢] سورة يس: الآية ٧٠.
[٣] سورة الأنبياء: الآية ٤٥.
[٤] سورة يونس: الآية ٢.
[٥] سورة الأنعام: الآية ٩٢، ونظيره سورة الشورى: الآية ٧.