الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣٧
له هذا الإعتقاد في الرؤى المنامية، ثم قوي حتى صار يتمثّل له الملك، يلقّنه الوحي في اليقظة.
وأمّا المعلومات الّتي جاءته في هذا الوحي فهي مستمدة الأصل من تلك الينابيع الّتي ذكرناها، وممّا هداه إليه عقله وتفكّره في التمييز بين ما يصحّ منها وما لا يصحّ، ولكنها كانت تتجلّى له نازلة من السماء، وأنّها خطاب الخالق عزّ وجلّ، بواسطة الناموس الأكبر وملك الوحي، جبرئيل روح القُدس[١].
وبكلمة أدقّ: إنّ معلوماته وأفكاره وآماله، ولّدت له إلهاماً، فاض من عقله الباطن أو نفسه الخفية الروحانية العالية على مخيّلته السامية; وانعكس اعتقاده على بصره: فرأى الملك ماثلاً له، وعلى سمعه: فوعى ما حدّثه الملك به[٢].
تحليل هذه النظرية
أ ـ نُبُوّةٌ أو أضغاث أحلام
هذه النظرية الّتي جاء بها بعض الغربيين، وإن كانت تنطلي على السذج من الناس وتأخذ بينهم رونقاً، إلاّ أنّ رجال التحقيق يدركون تماماً أنّها ليست بشيء جديد قابل للذكر، وإن هي إلاّ تكرار لمقالات العرب الجاهليين في النبوة والوحي، غير أنّ الغربي أخذ يديف السم في الدسم، ويعرض ما أكل الدهر عليه وشرب، بصورة نظرية حديثة برّاقة تتمحور في أنّ رجال الوحي أُناس مُخَبطون، استغرقوا في التفكير في أُمنياتهم عقوداً من الدهر حتى رأوها ماثلة في خيالهم وأمام حسّهم.
إنّ الذكر الحكيم ينقل لنا أنّ من جملة مقالات العرب وافتراءاتهم على النبي الأكرم، وَصْم شريعته بأنّها نتاج الأحلام العذبة الّتي كانت تراود خاطره، ثم تتجلى على لسانه وبصره.
[١] المصدر السابق، ص ٩٠.
[٢] المصدر السابق، ص ٣٥.