الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٦
وقال تعالى: (وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ لاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)[١].
وقال تعالى: (وَ وُضِعَ الْكِتَابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَدَاءِ...)[٢].
وهذه الشهادة يتحملها الشهداء في الدنيا ويُؤدُّونها في الآخرة، ويدلّ على ذلك:
قوله سبحانه: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيد)[٣].
وقوله سبحانه: (وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)[٤].
فمجموع هذه الآيات يدلّ على أنّ في كلّ أُمَّة شهداء على أعممالها، وأنّ الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على رأسهم، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، إنّ الشهادة هنا ليست على صور الأعمال والأفعال، فإنّها غير كافية في القضاء الأُخروي، بل المشهود عليه هو حقائق أعمال الأُمة: الإيمان والكفر والنفاق، والرياء والإخلاص... ومن المعلوم أنّ هذه المشهودات لا يمكن تشخيصها والشهادة عليها عن طريق الحواس الخمس، لأنّها لا يمكنها أن تستكشف حقائق الأعمال، وما يستبطنه الإنسان. فيجب أن يكون الأنبياء مجهزين بحسّ خاص يقدرون معه على الشهادة على ما لا يُدْرَك بالبصر ولا بسائر الحواس، وهذا هو الّذي نسميه بحبل العصمة، وكلُّ ذلك بأمر من الله سبحانه وإِذْنِه، والمُجَهَّز بهذا الحسّ لا يخطئ ولا يسهو.
وإن شئت قلت: إنّ الشهادة هنا، لو كانت خاطئة، للزم عقاب المطيع أو إثابة المجرم، وهو قبيح عقلاً، لا سيما الأول، فيجب أن تكون شهادة الشاهد
[١] سورة النحل: الآية ٨٤.
[٢] سورة الزمر: الآية ٦٩.
[٣] سورة المائدة: الآية ١١٧.
[٤] سورة النساء: الآية ١٥٩.