الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥١٠
وأمّا سائر الفتوحات الباطنية فهي مفتوحة في وجه الأُمّة إلى يوم القيامة، من غير فرق بين الاتّصال بعالم الغيب عن طريق البرهنة والاستدلال والتدبر في آياته الآفاقية، الّذي يشير إليه تعالى بقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)[١]. وأمّا الاتّصال به بلا توسيط برهان أودليل، بل بمشاهدة عين القلب وبصر الروح، وشهود الحقائق العلوية، وانكشاف ماوراء الحسّ والطبيعة من العوالم الروحية، ومعرفة ما يجري عليه قلمه تعالى في قضائه وقدره، والاتصال بجنوده سبحانه وملائكته، واستماع كلامهم وأصواتهم، إلى غير ذلك من الأُمور، إلاّ أنّه مقام خطير يحصل لعدّة من المتحررين عن سلوك طريق الطبيعة، الحابسين أنفسهم في ذات الله، العاملين بكتابه وسنّة نبيّه، حسب ما لهم من المقدرة والطاقة، لتحمل الأُمور الغيبية، ومشاهدة جلاله وجماله، وكبريائه وعظمته، وما لأوليائه من مقامات ودرجات وما لأعدائه من نار ولهيب ودركات.
وليس ما ذكرنا من إمكان الاتّصال، كلمة خطابية، أو عرفانية غير معتمِدة على الكتاب والسنّة، بل الكتاب الحكيم يقضي بذلك عند التأمُّل والإمعان فيه:
١ ـ قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً)[٢]، أي يجعل في قلوبكم نوراً تُفرّقونَ به بين الحق والباطل، وتُميّزون به بين الصحيح والزائف بالبرهنة والاستدلال، أو بالشهود والمكاشفة.
٢ـ وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[٣].
والمراد من النور، هو ما يمشي المؤمن في ضوء هدايته في دينه ودنياه، وهذا النور الّذي يغمره نتيجة إيمانه وتقاه، يوضحه قوله سبحانه: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا
[١] سورة فصلت: الآية ٥٣. ونظيره الذاريات: الآيتان ٢٠ ـ ٢١.
[٢] سورة الأنفال: الآية ٢٩ .
[٣] سورة الحديد: الآية ٢٨.