الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٢
قال الشيخ عبد القاهر: «إنّ المتعارف من عادات الناس الّتي لا تختلف وطبائعهم الّتي لا تتبدل، أن لا يسلِّموا لخصومهم الفضيلة، وهم يجدون سبيلاً إلى دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم. كيف. وإنّ الشاعر أو الخطيب أو الكاتب، إذا بلغه أنّ بأقصى الإقليم من يباهي بشعره، أو بخطبته أو برسالته الّتي يعملها، يَدْخُلُه من الأَنفَة والحميَّة ما يدعوه إلى معارضته، وإلى أن يُظهر ما عنده من الفضل. هذا فيما لم ير ذلك الإنسان قطّ، ولم يكن منه إليه ما يهزّ ويحرّك، فكيف إذا كان المدعي بمرأى ومسمع منه، فإنّ ذلك أدعى له إلى مباراته، وأن يُعَرِّف الناس أنّه لا يقصر عنه، أو أنّه منه أفضل، فإن انضاف إلى ذلك أن يدعوه الرجل إلى مباراته، فذلك الّذي يُسْهِر ليله ويسلبه القرار، حتى يتفرّغ مجهوده في جوابه، ويبلغ أقصى الحدّ في مناقضته.
هذا، فكيف إذا ظهر في صميم العرب وفي مثل قريش، ذوي الأنفس الأبية، والهمم العليّة، من يَدّعي النبوة ويخبر أنّه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق، ثم يقول وحجتي أنّ الله تعالى قد أنزل عليّ كتاباً عربياً مبيناً، تعرفون ألفاظه، وتفهمون معانيه، إلاّ أنّكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سُوَر منه، ولا بسور واحدة ولو جمعتم جهدكم واجتمع معكم الجن والإنس. فلا يتصور منهم السكوت والسكون في مقابل هذا الإدعاء، إلاّ إذا كانوا عاجزين»[١].
دَفْعُ تَوَهّم
ربما يتصور الغافل أنّ البلغاء المعاصرين لداعي الحق، قد عارضوه بكتاب أو سور مثل كتابه وسوره، ولكنه اختفى أثره في شعاع ضوء قدرة الإسلام والمسلمين وسلطانهم على الجزيرة وخارجها.
والجواب: إنّه رجمٌ بالغيب وتصوّر باطل لا تصدقه الموازين التاريخية والعلمية، إذ لو كانت ثمة معارضة ومقابلة، لما اختفى على العرب المعاصرين ولا
[١] ثلاث رسائل، الرسالة الشافية، لعبد القاهر الجرجاني، ص ١١٠.