الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦١
علوماً كونية، ولا نجد إخباراً بالغيب يقع بعد سنين، ومع ذلك سحر عقول العرب وتحدث عنه ابن المغيرة بعد التفكير والتقدير، بما تحدّث.
لا بدّ إذن أنّ السحر الّذي عناه، كان كامناً في مظهر آخر غير التشريع والغيبيات والعلوم الكونية، لا بدّ أنّه كامن في صميم النسق القرآني ذاته، وكان هذا يتجلى من خلال التعبير الجميل المؤثر المعتبّر المصوّر.
وعلى ذلك فالجمال الفنّي الخاص، عنصر مستقل في إثبات إعجاز القرآن[١]، ويتجلى ذلك في أمور أربعة تضفي على القرآن ـ مجتمعة ـ إعجازه وتفوّقه، وهي:
١ ـ فصاحةُ ألفاضه وجمالُ عباراته.
٢ ـ بلاغةُ معانيه وسموُّها.
٣ ـ روعة نظمه[٢] وتأليفه. ويراد منه: ترابط كلماته وجُمَله، وتناسق آياته، وتآخي مضامينه، حتى كأنّها بناء واحد، متلاصق الأجزاء، متناسب الأشكال، لا تجد فيه صَدْعاً ولا انشقاقاً.
٤ ـ بداعة أُسلوبه الّذي ليس له مثيل في كلام العرب، فإنّ لكل من الشعر والنثر بأقسامه، أسلوباً وسبكاً خاصاً، والقرآن على أُسلوب لا يماثل واحداً من الأساليب الكلامية والمناهج الشعرية.
وهذه الدعائم الأربع إذا اجتمعت، تخلق كلاماً له صنع في القلوب، وتأثير في النفوس. فإذا قرع السمع، ووصل إلى القلب، يحسّ الإنسان فيه لذّة وحلاوة في حال، وروعةً ومهابةً في أخرى، تقشعر منه الجلود، وتلين به القلوب، وتنشرح به الصدور، وتغشى النفوس خشية ورهبة ووجد وانبساط، ويحسّ البليغ بعجزه عن المباراة والمقابلة. ولاجل ذلك، كم من عدو للرسول من
[١] لاحظ التصوير الفنّي في القرآن الكريم للسيد قطب فصل سحر القرآن، ص ١١ ـ ٢٣.
[٢] ربما يطلق النظم في كلماتهم ويراد منه الأسلوب والسبك الّذي هو الأمر الرابع، ولأجل ذلك نردفه بالتأليف حتى لا يشتبه المراد.