الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٤٨
فالنبي إذا تمّ استعداده، وصَفَت نفسه، يجد في نفسه استعداد للإتصال بذلك العالم الأعلى، فتفاض عليه الحقائق والدقائق، من معارف المبدأ والمعاد، والكون والحياة، والإنسان والمجتمع، كلّها بصورة معارف كليّة.
ولكن هذه المعارف إذا تنزّلت إلى الدرجة التالية، أعني القوة الخيالية، تتمثل في خياله ملكاً نورانياً يكلمه ويخاطبه بتلك المعارف والأحكام والسنن.
كما أنّها إذا تنزّلت إلى الدرجة الثالثة، أعني الحسّ المشترك، قرع أسماعه صوت وكلام تلتذ به نفسه، وتحفظه مصوناً عن كل تغيّر وتبدّل.
فليس للوحي حقيقة إلاّ انعكاس ما في العقل الفعّال من المعارف والعلوم على عقل النبي، ثم تنزله منه إلى خياله، ومنه إلى حسّه. وليس هذا الإتصال والتنزل وتلقّي المعارف الكلية، وتمثل الملك ومشاهدته، وسماع الصوت والكلام المنظوم، أشياء وهمية لا واقعية لها، بل لكلٍّ منها درجة واقعية أحقّ من الواقعية الظاهرية المادية.
يقول صدر المتألهين: «إنّ سبب إنزال الكلام وتنزيل الكتاب، هو أنّ الروح الإنسانية إذا تجرّدت عن البدن، مهاجرةً إلى ربّها لمشاهدة آياته الكبرى، وتطهّرت عن المعاصي والشهوات والتعلّقات، لاح لها نور المعرفة والإيمان بالله وملكوته الأعلى. وهذا النور إذا تأكّد وتَجَوْهَر، كان جوهراً قدسياً يسمى عند الحكماء في لسان الحكمة النظرية بالعقل الفعّال، وفي لسان الشريعة النبوية بالروح القدسي.
وبهذا النور الشديد العقلي، يتلألأ فيها (أي الروح الإنسانية) أسرار ما في الأرض والسماء، ويتراءى منها حقائق الأشياء، كما يتراءى بالنور الحسيّ البصري، الاشباح المثالية في قوّة البصر إذا لم يمنعها حجاب، والحجاب ها هنا هو آثار الطبيعة وشواغل هذا الأدنى. وذلك لأنّ القلوب والأرواح ـ بحسب أصل فطرتها ـ صالحةٌ لقبول نور الحكمة والإيمان إذا لم يطرء عليها ظلمة تفسدها كالكفر، أو حجاب يحجبها كالمعصية وما يجري مجراها.
وبعبارة أخرى: إذا أعرضت النفس عن دواعي الطبيعة وظلمات الهوى