الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٢٢
فإذا كانت الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وكانت الغاية المتوخاة من تشريعها هي الوصول إلى المصالح والتحرز عن المفاسد وبما أنّ المصالح والمفاسد ليست على وزان واحد، بل لها درجات ومراتب، عَقَدَ الفقهاءُ باباً لتزاحم الأحكام وتصادمها، فيقدمون الأهمّ على المهم، والأكثر مصلحة على الأقل منه، والأعظم مفسدة على الأحقر منه. وقد أعان فتح هذا الباب على حلّ كثير من المشاكل الاجتماعية، الّتي ربما يتوهّم الجاهل أنّها تعرقل خطى المسلمين في معترك الحياة.
ومن أمثلته: إنّ تشريح بدن الإنسان في المختبرات، من الأُمور الضرورية الحيوية الّتي يتوقف عليها نظام الطب اليوم. غير أنّ هذه المصلحة تصادمها حرمة التمثيل بالميِّت، مسلماً كان أو كافراً، ولكن عناية الشارع بالصحّة العامة تجعل إحراز هذه المصلحة مقدّمة على المصلحة الأُخرى، وهي حرمة الميت، ولكن يقدم في هذا المجال بدن الكافر على المسلم، والمسلم غير المعروف على المعروف، وهكذا. وفي ضوء هذا المثال نقدر على طرح أمثلة كثيرة.
٣ ـ الكتاب والسنّة مادة للتشريع
إنّ الكتاب والسُّنّة مشتملان على أُصول وقواعد، تفي باستنباط آلاف من الفروع الّتي يحتاج إليها المجتمع البشري على امتداد القرون والأجيال.
وهذه الثروة العلمية الّتي اختصّت بها الأُمّة الإسلامية من بين سائر الأُمم، أغنت المسلمين عن التمسّك بكل تشريع سواه.
وتتجلى تلك الحقيقة إذا وقفنا على مرمى حديث الثقلين، وأنّ العِتْرة الطاهرة، قرناء القرآن وأعداله، لا يفترقان أبداً، ففي ضوء الأحاديث الواردة عن الأئمة الاثني عشر من أهل بيت الرسول الأعظم، قَدِرَ التشريع الإسلامي ـ على مذهب الإمامية ـ على استنباط أحكام الموضوعات المستجدة الكثيرة، بوضوح وانطلاق، ولم يُرَ هناك قُصور فيه.
نعم، إنّ من اقتصر في مجال السنّة على خصوص ما روته الصحابة عن