الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥١٧
التحوّل يدبّ في جميع شؤون الإنسان، وأمّا إذا قلنا بأنّ للإنسان ـ مع قطع النظر عمّا يحيط به من الظروف المختلفة ـ روحيات وغرائز لا تتغير أبداً، ولا تَنْفَكُّ عنه، وهي في الحقيقة مشخصات تكوينية له، بها يتميز عن سائر الحيوانات، فالشبهة مندفعة من رأس، فإنّ القوانين والسنن الراجعة إليها، تكون ثابتة خالدة، حسب خلودها، إذا كانت موافقة لما تقتضيه.
توضيحه: إنّ السائل قد قصر النظر على ما يحيط بالإنسان من الظروف المختلفة المتبدلة، الّتي هي نتيجة تكامل الحضارات والمجتمعات، وذهل عن أنّ للإنسان غرائز ثابتة وروحيات خالدة، لا تستغني عن قانون ينظّم اتجاهاتها وتشريعٌ يعدِّلها، ويصونها عن الإفراط والتفريط، فبما أنّ هذه الغرائز والفطريات، لا تمسّها يد التغيّر، فالتشريعات المطابقة لمقتضى الفطرة، والصالحة لهدايتها، تخلد بخلودها وتثبت بثبوتها، فلو كان السائل واقفاً على أنّ الإنسان مركب من مشخصات تكوينية أبدية، ومشخصات طارئة متغيرة، لوقف على أنّ القوانين الراجعة إلى هداية الفطرة وتعديلها تَثْبُت على جبين الدَّهر، ما دام الإنسان إنساناً، وأمّا القوانين الراجعة إلى المشخصات الطارئة المتحولة، فلا تصلح للخلود والثبات. وإليك فيما يلي أمثلة لما ذكرناه.
١ ـ الروابط العائلية، كرابطة الولد بوالديه، والأخ بأخيه، هي روابط طبيعية، لوجود الوحدة الروحية، فالسنن الراجعة إلى تنظيم هذه الروابط، من التوارث أولاً، ولزوم التكريم والصِّلة ثانياً، من الأحكام الّتي لا تتغيّر بتغيّر الزمان، فلا تجد مجتمعاً ينادي بقطع التوارث بين الوالد والولد، أو قطع الحضانة بين الأُم وولدها، أو ما شابه ذلك.
٢ ـ إنّ التفاوت بين الرجل والمرأة أمر طبيعي محسوس، فهما موجودان بشريان مختلفان اختلافاً عضوياً وروحياً، على رغم كل الدعايات السخيفة الّتي تريد إزالة كل تفاوت بينهما. ولأجل ذلك اختلفت أحكام كل منهما عن الآخر اختلافاً يقتضيه طبع كل منهما. فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما ومسايراً لطبعهما، ظلّ ثابتاً لا يتغير بمرور الزمان لثبات الموضوع المقتضي لثبات محموله.
٣ ـ الإنسان بما هو موجود اجتماعي، يحتاج لحفظ حياته وبقاء نسله، إلى