الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤١٥
ترى في هذه الآية ونظائرها التنبّؤ الواثق، بعجز الجن والإنس عن معارضة القرآن عجزاً أبدياً، ولكن المستقبل ـ كما يقال ـ غَيْبٌ، لا يملكه النبيُّ ولا الوصيُّ ولا شخص آخر غيرهما. غير أنّ النبي صار صادقاً في تنبؤه هذا، ولا يزال صادقاً إلى الحال. فعلى أيّ مصدر اعتمد هو في هذا المجال التحدّي غير الإيحاء إليه، الّذي صَدَرَ عنه أيضاً في جميع تشريعاته؟.
٢ ـ التنبّؤ بانتصار الروم على الفرس
قال سبحانه: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)[١].
ينقل التاريخ أنّ دولة الروم ـ وكانت دولة مسيحية ـ انهزمت أمام دولة الفرس وهي وَثَنيّة، بعد حروب طاحنة بينهما سنة ٦١٤ م ، فاغتمّ المسلمون لكونها هزيمة لدولة إلهية أمام دولة وثنية، وفرح المشركون، وقالوا للمسلمين بشماتة: إنّ الروم يشهدون أنّهم أهل كتاب وقد غَلَبهم المجوس، وأنْتُم تزعمون أنّكم ستغلبوننا بالكتاب الّذي أُنزل عليكم، فسنغلبكم كما غلبت الفرس الروم.
فعند ذاك نزلت هذه الآيات الكريمات تنبئ بأنّ هزيمة الروم هذه سيعقبها انتصار لهم في بضع سنين، وهي مدّة تتراوح بين ثلاث سنوات وتسع. تنبّأَ بذلك، وكانت المقدمات والأسباب على خلافه، لأنّ الحروب الطاحنة أنهكت الدولة الرومانية حتى غزيت في عقر دارها، كما يدلّ عليه قوله: (في أَدنى الأرض). ولأنّ دولة الفرس كانت دولة قوية، منيعة، وزادها الانتصار الأخير قوة ومنعة. ولكن الله تعالى أنجز وعده، وحقّقَ تنبؤ القرآن، في بضع سنين فانتصر الروم سنة ٦٢٤ م، الموافقة للسنة الثانية للهجرة.
[١] سورة الروم: الآيات ١ ـ ٦.