دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٨٠ - الأمر الثالث إنّ مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الأحكام العقليّة مسألة اصوليّة
نعم، يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعيّة بأنّ إجراءها في موردها- أعني:
صورة الشكّ في بقاء الحكم الشرعي السابق، كنجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره- مختصّ بالمجتهد و ليس وظيفة للمقلّد. فهي ممّا يحتاج إليه المجتهد فقط و لا ينفع للمقلّد. و هذا من خواصّ المسألة الاصوليّة، فإنّ المسائل الاصوليّة لمّا مهّدت للاجتهاد و استنباط الأحكام من الأدلّة اختصّ التكلّم فيها بالمستنبط، و لا حظّ لغيره فيها.
فإن قلت: إنّ اختصاص هذه المسألة بالمجتهد، لأجل أنّ موضوعها- و هو الشكّ في الحكم الشرعي و عدم قيام الدليل الاجتهادي عليه- لا يتشخّص إلّا للمجتهد، و إلّا فمضمونه- و هو العمل على طبق الحالة السابقة و ترتيب آثارها- مشترك بين المجتهد و المقلّد.
ثمّ أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى الاحتمال الثاني- و هو أن يكون الاستصحاب من المسائل الاصوليّة- بقوله:
(نعم، يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعيّة).
و حاصل الإشكال: إنّ الاستصحاب نظرا إلى أنّ البحث فيه بحث عن مفاد السنّة لا عن عوارضها، و إن لم يكن من المسائل الاصوليّة، إلّا أنّه من المسائل الاصوليّة نظرا إلى أنّ إجراءه في الشبهات الحكميّة وظيفة المجتهد فقط، و قد عرفت في بيان مناط كون المسألة اصوليّة أنّ المناط لا ينحصر في أن يكون البحث فيها عن عوارض الموضوع، بل أن يكون البحث فيها من خواصّ المجتهد، و هذا المناط موجود في الاستصحاب أيضا، لأنّ المجتهد هو الذي يتفحّص عن الدليل، ثمّ يتمسّك بالاستصحاب عند اليأس عنه، و المطلب واضح في المتن من دون حاجة إلى تكلّف البيان، فراجع.
(فإن قلت: إنّ اختصاص هذه المسألة بالمجتهد، لأجل أنّ موضوعها- و هو الشكّ في الحكم الشرعي و عدم قيام الدليل الاجتهادي عليه- لا يتشخّص إلّا للمجتهد ... إلى آخره).
و حاصل الإشكال: إنّ مسألة الاستصحاب من حيث تشخيص موضوعها و إن كانت مختصّة بالمجتهد، إلّا أنّ مضمون الاستصحاب بعد تشخيص الموضوع ليس مختصّا بالمجتهد، فالعمل على طبق الحالة السابقة مشترك بين المجتهد و غيره، و هذا المقدار من الاختصاص لا يكفي في كون المسألة اصوليّة لكي تكون مسألة الاستصحاب اصوليّة.