البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٦
عن اياس بن الحارث بن المعيقيب عن جده- و كان على خاتم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- قال: كان خاتم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من حديد ملوى عليه فضة، قال فربما كان في يدي.
قلت: أما خاتم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فالصحيح أنه كان من فضة فصه منه كما سيأتي في الصحيحين
و كان قد اتخذ قبله خاتم ذهب فلبسه حينا ثم رمى به و قال «و اللَّه لا ألبسه»
ثم اتخذ هذا الخاتم من من فضة فصه منه و نقشه محمد رسول اللَّه، محمد سطر، و رسول سطر، و اللَّه سطر، فكان في يده (عليه السلام) ثم كان في يد أبى بكر من بعده ثم في يد عمر تم كان في يد عثمان فلبث في يده ست سنين، ثم سقط منه في بئر اريس فاجتهد في تحصيله فلم يقدر عليه. و قد صنف أبو داود رحمة اللَّه عليه كتابا مستقلا في سننه في الخاتم وحده، و سنورد منه إن شاء اللَّه قريبا ما نحتاج اليه و باللَّه المستعان. و اما لبس معيقيب لهذا الخاتم فيدل على ضعف ما نقل أنه أصابه الجذام، كما ذكره ابن عبد البر و غيره، لكنه مشهور فلعله أصابه ذلك بعد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، أو كان به و كان مما لا يعدى منه، أو كان ذلك
من خصائص النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لقوة توكله كما قال لذلك المجذوم- و وضع يده في القصعة- «كل ثقة باللَّه، و توكلا عليه» رواه أبو داود
و قد ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «فر من المجذوم فرارك من الأسد»
و اللَّه أعلم.
و أما أمراؤه (عليه السلام) فقد ذكرناهم عند بعث السرايا منصوصا على أسمائهم و للَّه الحمد و المنة.
و أما جملة الصحابة فقد اختلف الناس في عدتهم، فنقل عن أبى زرعة أنه قال: يبلغون مائة ألف و عشرين ألف، و عن الشافعيّ (رحمه اللَّه) أنه قال: توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمون ممن سمع منه و رآه زهاء عن ستين ألف، و قال الحاكم أبو عبد اللَّه: يروى الحديث عن قريب من خمسة آلاف صحابى.
قلت: و الّذي روى عنهم الامام احمد مع كثرة روايته و اطلاعه و اتساع رحلته و إمامته فمن الصحابة تسعمائة و سبعة و ثمانون نفسا [و وضع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك قريب من ثلاثمائة صحابى أيضا] و قد اعتنى جماعة من الحفاظ (رحمهم اللَّه) بضبط أسمائهم و ذكر أيامهم و وفياتهم، من أجلهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتابه الاستيعاب، و أبو عبد اللَّه محمد ابن إسحاق بن مندة، و أبو موسى المديني، ثم نظم جميع ذلك الحافظ عز الدين أبو الحسن على بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الصحابية، صنف كتابه [١] الغابة في ذلك فأجاد و أفاد، و جمع و حصل، و نال ما رام و أمّل، ف(رحمه اللَّه) و أثابه و جمعه و الصحابة آمين يا رب العالمين.
تم الجزء الخامس من كتاب البداية و النهاية و يليه الجزء السادس و أوله باب ما يذكر من آثار النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) التي كان يختص بها في حياته من ثياب و سلاح إلخ
[١] اسمه (أسد الغابة) و هو مطبوع في خمس مجلدات.