البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٤ - فصل و أما كتاب الوحي و غيره بين يديه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و رضى عنهم أجمعين
بعدها، و استخلفه رسول اللَّه على المدينة عام تبوك. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: كان شديد السمرة طويلا أصلع ذا جشة [١] و كان من فضلاء الصحابة، و كان ممن اعتزل الفتنة و اتخذ سيفا من خشب. و مات بالمدينة سنة ثلاث و أربعين على المشهور عند الجمهور، و صلّى عليه مروان بن الحكم.
و قد روى حديثا كثيرا عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و ذكر محمد بن سعد عن على بن محمد المدائني بأسانيده أن محمد بن مسلمة هو الّذي كتب لوفد مرة كتابا عن أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و منهم رضى اللَّه عنهم معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي و ستأتي ترجمته في أيام إمارته إن شاء اللَّه. و قد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه (عليه السلام).
و قد روى مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار عن أبى زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس أن أبا سفيان قال:
يا رسول اللَّه ثلاث أعطنيهن؟ قال «نعم؟» قال تؤمرنى حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال «نعم؟» قال و معاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال «نعم؟»
الحديث. و قد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة بسبب ما وقع فيه من ذكر طلبه تزويج أم حبيبة من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لكن فيه من المحفوظ تأمير أبى سفيان و توليته معاوية منصب الكتابة بين يديه (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، و هذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة، فأما الحديث قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة معاوية ها هنا أخبرنا أبو غالب بن البناء أنبأنا أبو محمد الجوهري أنبأنا أبو على محمد بن احمد بن يحيى بن عبد اللَّه العطشى حدثنا احمد بن محمد البوراني ثنا السري بن عاصم ثنا الحسن بن زياد عن القاسم ابن بهرام عن أبى الزبير عن جابر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال:
استكتبه فإنه أمين، فإنه حديث غريب بل منكر. و السري بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهمذانيّ و كان يؤدب المعتز باللَّه، كذبه في الحديث ابن خراش. و قال ابن حبان و ابن عدي: كان يسرق الحديث. زاد ابن حبان و يرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به. و قال الدار قطنى كان ضعيف الحديث.
و شيخه الحسن بن زياد- إن كان اللؤلؤي- فقد تركه غير واحد من الأئمة، و صرح كثير منهم بكذبه، و إن كان غيره فهو مجهول العين و الحال. و أما القاسم بن بهرام فاثنان، أحدهما يقال له القاسم ابن بهرام الأسدي الواسطي الأعرج أصله من أصبهان، روى له النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حديث القنوت بطوله، و قد وثقه ابن معين و أبو حاتم و أبو داود و ابن حبان. و الثاني القاسم بن بهرام أبو حمدان قاضى هيت. قال ابن معين كان كذابا. و بالجملة فهذا الحديث من هذا الوجه ليس بثابت و لا يغتربه، و العجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره و اطلاعه على صناعة
[١] ذا جشة: كذا في التيمورية من جشه إذا ضربه و في الأصل ذا جنة. و في الاستيعاب المطبوع ذا جثة بالثاء.