البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦ - ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء
يديه. قلت يا رسول اللَّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللَّه و إلى رسوله، قال رسول اللَّه «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»
قلت فانى أمسك سهمي الّذي بخيبر، و قلت يا رسول اللَّه إن اللَّه إنما نجاني بالصدق، و إن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت، فو اللَّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللَّه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه أحسن مما أبلانى، ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى يومى هذا كذبا، و انى لأرجو أن يحفظني اللَّه فيما بقيت، و أنزل اللَّه على رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الى قوله وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فو اللَّه ما أنعم اللَّه على من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فان اللَّه تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال اللَّه تعالى سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ الى قوله فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قال كعب: و كنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول اللَّه حين حلفوا له فبايعهم [١] و استغفر لهم و أرجأ رسول اللَّه أمرنا حتى قضى اللَّه فيه فبذلك قال اللَّه تعالى وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ليس الّذي ذكر اللَّه مما خلفنا من الغزو و انما هو تخليفه إيانا و إرجاؤه أمرنا عمن حلف له و اعتذر اليه فقبل منهم، و هذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه.
و هكذا رواه محمد بن إسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، و قد سقناه في التفسير من مسند الامام احمد و فيه زيادات يسيرة و للَّه الحمد و المنة.
ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء
قال على بن طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
قال كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوسق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد فلما مر بهم رسول اللَّه قال «من هؤلاء؟» قالوا أبا لبابة و أصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم و تعذرهم قال «و أنا أقسم باللَّه لا أطلقهم و لا أعذرهم حتى يكون اللَّه عز و جل هو الّذي يطلقهم، رغبوا عنى و تخلفوا عن الغزو مع المسلمين»
فلما أن بلغهم ذلك قالوا و نحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللَّه هو الّذي يطلقنا. فانزل اللَّه عز و جل وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية. و عسى من اللَّه واجب [٢] فلما أنزلت أرسل اليهم رسول اللَّه فاطلقهم و عذرهم، فجاءوا بأموالهم و قالوا: يا رسول اللَّه هذه أموالنا
[١] كذا في الأصلين، و في ابن هشام: فعذرهم.
[٢] كذا في الأصلين.