البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٨ - سنة احدى عشرة من الهجرة
بعث زيد بن حارثة الى جذام من أرض بنى خشين. قال: ابن هشام و هي من أرض حسمى و كان سبيها فيما ذكره ابن إسحاق و غيره: أن دحية بن خليفة لما رجع من عند قيصر و قد أبلغه كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يدعوه الى اللَّه فأعطاه من عنده تحفا و هدايا فلما بلغ واديا في أرض بنى جذام يقال له شنار أغار عليه الهنيد بن عوص و ابنه عوص بن الهنيد الصليعيان و الصليع بطن من جذام فأخذا ما معه فنفر حي منهم قد أسلموا فاستنقذوا ما كان أخذ لدحية فردوه عليه فلما رجع دحية الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخبره الخبر و استسقاه دم الهنيد و ابنه عوص فبعث حينئذ زيد بن حارثة في جيش اليهم فساروا اليهم من ناحية الاولاج فأغار بالماقض من ناحية الحرة فجمعوا ما وجدوا من مال و ناس و قتلوا الهنيد و ابنه و رجلين من بنى الأحنف و رجلا من بنى خصيب فلما احتاز زيد أموالهم و ذراريهم اجتمع نفر منهم برفاعة بن زيد. و كان قد جاءه كتاب من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يدعوهم الى اللَّه فقرأه عليهم رفاعة فاستجاب له طائفة منهم و لم يكن زيد بن حارثة يعلم ذلك فركبوا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى المدينة في ثلاثة أيام فأعطوه الكتاب فأمر بقراءته جهرة على الناس. ثم قال: رسول اللَّه كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات. فقال: رجل منهم يقال له أبو زيد بن عمرو أطلق لنا يا رسول اللَّه من كان حيا و من قتل فهو تحت قدمي هذه فبعث معهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بن أبى طالب
فقال عليّ: إن زيدا لا يطيعني فأعطاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سيفه علامة فسار معهم على جمل لهم فلقوا زيدا و جيشه و معهم الأموال و الذراري بفيفاء الفحلتين فسلمهم عليّ جميع ما كان أخذ لهم لم يفقدوا منه شيئا،
بعث زيد بن حارثة أيضا الى بنى فزارة بوادي القرى فقتل طائفة من أصحابه و ارتث هو من بين القتلى، فلما رجع آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزوهم أيضا، فلما استبل من جراحة بعثه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثانيا في جيش فقتلهم بوادي القرى و أسر أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر و كانت عند مالك بن حذيفة بن بدر و معها ابنة لها، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر اليعمري فقتل أم قرفة و استبقى ابنتها و كانت من بيت شرف يضرب بأم قرفة المثل في عزها، و كانت بنتها مع سلمة بن الأكوع فاستوهبها منه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأعطاه إياها، فوهبها رسول اللَّه لخاله حزن بن أبى وهب فولدت له ابنه عبد الرحمن، بعث عبد اللَّه بن رواحة الى خيبر مرتين: إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام و كان يجمع غطفان لغزو رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فبعث رسول اللَّه عبد اللَّه بن رواحة في نفر منهم عبد اللَّه بن أنيس فقدموا عليه فلم يزالوا يرغبونه ليقدموه على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسار معهم فلما كانوا بالقرقرة على ستة أميال من خيبر ندم اليسير على مسيره ففطن له عبد اللَّه بن أنيس- و هو يريد السيف- فضربه بالسيف فأطن قدمه و ضربه اليسير بمخرش [١] من شوحط في رأسه فأمّه،
[١] المخرش: عصا معوجة الرأس.