البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٥ - فصل
حرب عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فذكر مثله سواء.
و قال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن على بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد. قال قلت: يا رسول اللَّه أين تنزل غدا- في حجته-؟ قال: و هل ترك لنا عقيل منزلا، ثم قال: نحن نازلون غدا إن شاء اللَّه بخيف بنى كنانة- يعنى المحصب- حيث قاسمت قريشا على الكفر، و ذلك أن بنى كنانة حالفت قريشا على بنى هاشم أن لا يناكحوهم و لا يبايعوهم و لا يؤوهم- يعنى حتى يسلموا اليهم رسول اللَّه. ثم قال عند ذلك: «لا يرث المسلم الكافر، و لا الكافر المسلم»
قال الزهري- و الخيف- الوادي أخرجاه من حديث عبد الرزاق، و هذان الحديثان فيهما دلالة على أنه (عليه السلام) قصد النزول في المحصب مراغمة لما كان تمالئ عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بنى هاشم و بنى المطلب حتى يسلموا اليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما قدمنا بيان ذلك في موضعه. و كذلك نزله عام الفتح فعلى هذا يكون نزوله سنّة مرغبا فيها، و هو أحد قولي العلماء. و قد قال البخاري ثنا أبو نعيم أنبأنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: إنما كان منزلا ينزله النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليكون أسمح لخروجه- يعنى الأبطح-. و أخرجه مسلم من حديث هشام به و رواه أبو داود عن احمد ابن حنبل عن يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنما نزل رسول اللَّه المحصّب ليكون أسمح لخروجه و ليس بسنة، فمن شاء نزله و من شاء لم ينزله. و قال البخاري حدثنا على بن عبد اللَّه ثنا سفيان. قال قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة و غيره عن سفيان و هو ابن عيينة به. و قال أبو داود ثنا احمد بن حنبل و عثمان بن أبى شيبة و مسدد المعنى قالوا ثنا سفيان ثنا صالح بن كيسان عن سليمان بن يسار قال قال أبو رافع: لم يأمرني يعنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن أنزله، و لكن ضربت [١] فيه فنزله. قال مسدد و كان على ثقل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال عثمان- يعنى الأبطح-. و رواه مسلم عن قتيبة و أبى بكر و زهير بن حرب عن سفيان بن عيينة به. و المقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في المحصب لما نفر من منى، و لكن اختلفوا فمنهم من قال لم يقصد نزوله و إنما نزله اتفاقا ليكون أسمح لخروجه، و منهم من أشعر كلامه بقصده (عليه السلام) نزوله، و هذا هو الأشبه و ذلك أنه (عليه السلام) أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، و كانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه كما قال ابن عباس فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت- يعنى طواف الوداع-. فأراد (عليه السلام) أن يطوف هو و من معه من المسلمين بالبيت طواف الوداع و قد نفر من منى قريب الزوال فلم يكن يمكنه أن يجيء البيت في بقية يومه و يطوف به و يرحل الى ظاهر مكة من جانب المدينة، لأن ذلك قد
[١] في التيمورية: ضربت قبته، و الثقل: المتاع.