البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٦ - فصل
يتعذر على هذا الجم الغفير، فاحتاج أن يبيت قبل مكة و لم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب الّذي كانت قريش قد عاقدت بنى كنانة على بنى هاشم و بنى المطلب فيه فلم يبرم اللَّه لقريش أمرا بل كبتهم و ردهم خائبين، و أظهر اللَّه دينه و نصر نبيه و أعلا كلمته، و أتم له الدين القويم، و أوضح به الصراط المستقيم، فحج بالناس و بيّن لهم شرائع اللَّه و شعائره، و قد نفر بعد إكمال المناسك فنزل في الموضع الّذي تقاسمت قريش فيه على الظلم و العدوان و القطيعة، فصلى به الظهر و العصر و المغرب و العشاء و هجع هجعة، و قد كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم فإذا فرغت أتته، فلما قضت عمرتها و رجعت أذن في المسلمين بالرحيل الى البيت العتيق. كما قال أبو داود حدثنا وهب بن بقية ثنا خالد عن أفلح عن القاسم عن عائشة قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة فدخلت فقضيت عمرتي و انتظرنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالأبطح حتى فرغت و أمر الناس بالرحيل. قالت:
و أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) البيت فطاف به ثم خرج. و أخرجاه في الصحيحين من حديث أفلح بن حميد ثم قال أبو داود ثنا محمد بن بشار ثنا أبو بكر- يعنى الحنفي- ثنا أفلح عن القاسم [عنها]- يعنى عائشة- قالت: خرجت معه يعنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، النفر الآخر و نزل المحصب. قال أبو داود فذكر ابن بشار بعثها الى التنعيم قالت: ثم جئت سحرا، فأذن في الصحابة بالرحيل فارتحل فمر بالبيت [١] قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجها الى المدينة. و رواه البخاري عن محمد بن بشار به.
قلت: و الظاهر أنه (عليه السلام) صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه و قرأ في صلاته تلك بسورة وَ الطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ السورة بكمالها. و ذلك لما رواه البخاري حيث قال حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
قال: شكوت الى رسول اللَّه أتى أشتكى، قال طوفي من وراء الناس و أنت راكبة، فطفت و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلى حينئذ الى جنب البيت و هو يقرأ و الطور و كتاب مسطور. و أخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك باسناد نحوه.
و قد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن زينب عن أم سلمة أن رسول اللَّه قال: و هو بمكة و أراد الخروج و لم تكن أم سلمة طافت و أرادت الخروج فقال لها: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفى على بعيرك و الناس يصلون»
فذكر الحديث فأما ما رواه الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة. أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة فهو اسناد كما
[١] في التيمورية: فارتحلنا فنزلنا البيت قبل إلخ.