فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٠٤ - الأمر الثاني
و مجرّد اشتمال الحجّ على الملاك و تفويته له لا يوجب العقاب ما لم يكن الحجّ واجبا و متعلّقا للأمر، حسبما تقدم منّا مرارا، من انّ الملاكات غير لازمة التّحصيل و لا يوجب فواتها شيئا، و انّما العبد ملزم عقلا بالخطابات الشّرعيّة لا بملاكاتها.
قلت:
ما كنت أحبّ بعد البيان المتقدّم موقعا لهذا الأشكال، و لا مجال لهذا التّوهّم، فانّ السّير انّما صار واجبا لرعاية الحجّ، و امر به شرعا تحفّظا على تركه، و مع ذلك كيف يسأل عن انّ العقاب على أيّ شيء يكون؟ مع وضوح انّ العقاب يكون على ترك الحجّ حينئذ، لأنّ مناط حكم العقل باستحقاق العقاب على ترك الواجب الفعلي كترك الصّلاة بعد الوقت- و لو لمكان امتناعها بسوء اختياره- بعينه متحقّق في مثل المقام، و ما أنكرناه سابقا من انّ الملاكات غير لازمة التّحصيل انّما هو لمكان انّ الملاكات ليست مقدورة للمكلّف، و لا تكون من المسبّبات التّوليديّة لأفعاله، و أين هذا من ترك الحجّ الّذي يقوم به الملاك بسوء اختياره، مع إيجاب الشّارع السّير عليه تحفّظا عن ترك الحجّ و عدم فواته منه؟
و بالجملة: لا فرق في نظر العقل الّذي هو الحاكم في هذا الباب، بين ان يعجّز المكلّف نفسه عن الحجّ في أيّام عرفه، و بين ان يعجّز نفسه عنه قبل ذلك بتركه السّير، فانّه في كلا المقامين يستحقّ العقاب على ترك الحجّ على نسق واحد، فتأمل في المقام جيّدا. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، و هو باب المقدّمات المفوّتة.
و امّا الكلام في المقام الثّاني:
و هو باب وجوب تعلّم الأحكام. فحاصله: انّه يظهر من الشّيخ قده[١] في آخر مبحث الاشتغال عند التّعرض لشرائط الأصول، إدراج المقام في باب المقدّمات المفوّتة، و جعله من صغريات باب القدرة، و لكنّ الإنصاف انّه ليس الأمر كذلك، فان بين البابين بونا بعيدا، إذ باب المقدّمات المفوّتة يرجع إلى مسألة القدرة على ما عرفت، و باب وجوب التّعلّم أجنبيّ عن باب القدرة، لأنّ الجهل بالحكم لا يوجب
[١] راجع الرسائل. آخر مباحث البراءة، خاتمة في ما يعتبر في العمل بالأصل. شرط البراءة. ص ٢٨٢.