فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٢٩ - (الأمر الثالث)
و امّا اعتبار العلو فلا ينبغي الأشكال فيه، بداهة انّ الطّلب من المساوي يكون التماسا، و من الداني يكون دعاء، و لا يصدق على ذلك انّه امر، بل لا يبعد عدم صدق الأمر على طلب العالي الغير المستعلى، فانّ ذلك بالإرشاد و الاستشفاع أشبه.
كما يؤيّد ذلك قوله صلى اللّه عليه و آله[١] لا بل انا شافع عند قول السائل: أ تأمرني يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.
(الأمر الثاني)
الوجوب و الاستحباب خارجان عن مفاد الأمر بحسب وضعه، و ان كان إطلاقه يقتضى الوجوب على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى، إلّا انّ اقتضاء الإطلاق ذلك غير كونه مأخوذا فيه وضعا كما لا يخفى.
(الأمر الثالث)
قد ذكر لصيغة الأمر معان عديدة أيضا، حتى نقل انّ بعضنا أنهاها إلى أربعة و عشرين، أو أكثر، و عدّ منها: الطّلب و التّعجيز و التّهديد و غير ذلك.
و قد وقع البحث أيضا في انّ ذلك على نحو الاشتراك اللّفظي أو المعنوي، إلّا انّ الإنصاف انّه لا وقع للبحث عن ذلك في الصّيغة، و ان كان له وقع في المادة، بداهة انّ صيغة الأمر كصيغة الماضي و المضارع تشتمل على مادّة و هيئة، و ليس للمادّة معنى سوى الحدث، كما انه ليس للهيئة معنى سوى الدلالة على نسبة المادة إلى الفاعل. نعم تختلف كيفية انتساب المادة إلى الفاعل حسب اختلاف الأفعال، ففي الفعل الماضي الهيئة انّما تدلّ على النّسبة التحقّقيّة، و في المضارع تدلّ على النّسبة التّلبسيّة، على ما مرّ ذلك مشروحا في مبحث المشتق.
و امّا فعل الأمر، فهيئته انّما تدلّ على النّسبة الإيقاعيّة، من دون ان تكون الهيئة مستعملة في الطّلب، أو في التّهديد، أو غير ذلك من المعاني المذكورة للهيئة، لوضوح انّه ليس معنى اضرب: أطلب، و لا أهدد، و لا غير ذلك. بل الطّلب، و
[١] راجع سنن أبي داود. الجزء الثاني. كتاب الطلاق، باب« المملوكة تعتق و هي تحت حر أو عبد» ص ٢٧٠