فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٢٠ - المقام الثاني
يصلح لكلّ منهما حتّى يبحث عمّا هو الأصل عند الشّك.
و من جميع ما ذكرنا ظهر أيضا ضعف ما في بعض الكلمات: من إرجاع باب التّزاحم إلى تزاحم المقتضيين، و التّعارض إلى تعارض المقتضى و اللامقتضي، و جعل مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق من باب التّزاحم لوجود المقتضى لكلّ منهما، و ليسا من باب التّعارض. و ذلك لأنّ مجرّد تزاحم المقتضيين لا يصحح الاندراج في باب التّزاحم المقابل لباب التّعارض، و إلّا لكان جميع موارد التعارض من باب التّزاحم، لكاشفيّة كلّ دليل عن ثبوت المقتضى لمؤدّاه، فيلزم ان يكون جميع موارد تعارض الدّليلين من تزاحم المقتضيين.
فالعبرة في التزاحم انّما يكون بتزاحم الحكمين في مقام الفعليّة لا تزاحم المقتضيين، و إلّا فقد يتزاحم المقتضيان ثبوتا في نفس الأمر و لا محالة يقع الكسر و الانكسار بينهما، فينشأ الحكم على طبق أحدهما ان ترجّح في نظره أحد المقتضيين، و إلّا فعلى كلّ منهما تخييرا. و ليس ذلك من تزاحم الحكمين، و لذا يعتبر في باب التّزاحم ان يكون المكلّف عالما بالحكم و أصلا إليه، لأنّ الحكم الّذي لم يصل إلى المكلّف لا يمكن ان يكون مزاحما لغيره، لأنّ المزاحمة انّما تنشأ من شاغليّة كلّ من الحكمين عن الآخر و اقتضاء صرف القدرة إليه، و الحكم الغير الواصل لا يكون شاغلا لنفسه، فكيف يكون شاغلا عن غيره؟ فالتّزاحم لا يكون إلّا بعد العلم و الوصول. و هذا لا ربط له بتزاحم المقتضيين، لأنّ تزاحم المقتضيين انّما يكون في عالم الثّبوت و نفس الأمر من دون دخل لعلم المكلّف و جهله، فإرجاع باب التّزاحم إلى تزاحم المقتضيين ممّا لا يستقيم، و سيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى في مبحث اجتماع الأمر و النّهى.
المقام الثّاني
في منشأ التّزاحم و هو أمور خمسة:
الأوّل: تضادّ المتعلّقين، بمعنى انّه اجتمع المتعلّقان في زمان واحد، بحيث لا يمكن للمكلّف فعلهما، كما في الغريقين، و الإزالة و الصّلاة، و أمثال ذلك ممّا اجتمع المتعلّقان في زمان واحد.