فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٣٥ - (الأمر الخامس)
فنقول: لهم في ذلك طرق:
منها: دعوى وضعها لغة للوجوب. و هذه الدّعوى بظاهرها لا تستقيم، لما عرفت: انّ الصّيغة لها مادّة و هيئة، و المادّة موضوعة لمعناها الحدثي، و مفاد الهيئة معنى حرفيّ، لكونها موضوعة لنسبة المادّة إلى الفاعل بالنّسبة الإيقاعيّة. فلا معنى لدعوى وضعها للوجوب. اللّهمّ إلّا ان يتوجّه بأنّ المراد وضعها لإيقاع النّسبة إذا كان بداعي الطّلب الوجوبيّ، بان يؤخذ- بداعي الطّلب الوجوبيّ- قيدا في وضع الهيئة.
و امّا دعوى: أكثريّة استعمالها في الاستحباب فيلزم أكثريّة المجاز على الحقيقة، فهذا ممّا ليس فيه محذور إذا كان ذلك بقرينة تدلّ على ذلك انّما الشّأن في إثبات هذه الدّعوى أي دعوى الوضع لذلك بل هي فاسدة من أصلها.
و توضيح الفساد يتوقّف على بيان حقيقة الوجوب و الاستحباب و بيان المائز بينهما.
فنقول: ربّما قيل بأنّ الوجوب عبارة عن الأذان في الفعل مع المنع من التّرك و الاستحباب عبارة عن الإذن في الفعل مع الرّخصة في التّرك، فيكون مفاد كلّ من الوجوب و الاستحباب مركّبا من امرين. و لمّا كان التّفسير بذلك واضح الفساد، لوضوح بساطة مفهوم الوجوب و الاستحباب، عدل عن ذلك المتأخّرون، و جعلوا المائز بينهما بالشّدة و الضّعف، و قالوا: انّ الوجوب و الاستحباب حقيقة واحدة مقولة بالتّشكيك، فالوجوب عبارة عن الطّلب الشّديد، و الاستحباب عبارة عن الطّلب الضّعيف هذا.
و لكنّ الإنصاف: انّ هذه الدّعوى كسابقتها واضحة الفساد، لأنّ الطّلب لا يقبل الشّدة و الضّعف، لوضوح انّ طلب ما كان في غاية المحبوبيّة و ما لم يكن كذلك على نهج واحد، و هذا ليس من الأمور الّتي يرجع فيها إلى اللّغة، بل العرف ببابك، فهل ترى من نفسك اختلاف تصدى نفسك و حملتها نحو ما كان في منتهى درجة المصلحة و قوّة الملاك، كتصدي نفسك نحو شرب الماء الّذي به نجاتك، أو نحو ما كان في أوّل درجة المصلحة، كتصدي نفسك لشرب الماء لمحض التّبريد، كلا لا يختلف تصدى النّفس المستتبع لحركة العضلات باختلاف ذلك، بل انّ بعث