فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٣٣ - (الأمر الرابع)
هو المناط في اختياريّة الفعل.
و امّا بناء على ما اخترناه من انّ وراء الإرادة و الشّوق المؤكّد امرا آخر، و هو عبارة عن تصدّى النّفس نحو المطلوب و حملتها إليه، فيكون ذلك التّصدي النفسانيّ هو مناط الاختيار، و ليس نسبة الطلب و التصدي إلى الإرادة نسبة المعلول إلى علّته حتّى يعود المحذور، بل النّفس هي بنفسها تتصدّى نحو المطلوب، من دون ان يكون لتصدّيها علة تحملها عليه.
نعم الإرادة بما لها من المبادي تكون من المرجّهات لطلب النّفس و تصدّيها، فللنفس بعد تحقّق الإرادة بما لها من المبادي التّصدي نحو الفعل. كما انّ لها عدم التّصدي و الكفّ عن الشّيء، و ليس حصول الشّوق المؤكد في النّفس علّة تامّة لتصدي النّفس، بحيث ليس لها بعد حصول ذلك الكيف النفسانيّ الامتناع عن الفعل، كما هو مقالة الجبريّة، بل غايته انّ الشّوق المؤكد يكون من المرجحات لتصدّي النّفس و لا يخفى الفرق بين المرجح و العلّة. هذا كلّه في نفى الجبر.
و امّا نفى التّفويض فالأمر فيه أوضح، لأنّ أساس التّفويض هو تخيّل عدم حاجة الممكن في بقائه إلى العلّة، و انّه يكفى فيه علّة الحدوث، مع انّ هذا تخيّل فاسد لا ينبغي ان يصغى إليه، بداهة انّ الممكن بحسب ذاته يتساوى فيه الوجود و العدم، و يحتاج في كلّ آن إلى ان يصله الفيض من المبدأ الفيّاض، بحيث لو انقطع عنه الفيض آناً ما لانعدم و فني، فوجوده في كلّ آن يستند إلى الفيّاض. هذا بالنّسبة إلى أصل وجوده.
و كذا الحال بالنّسبة إلى إرادته و أفعاله يحتاج إلى المبدأ لكن لا على نحو الجبر كما عرفت. فتأمل في المقام جيّدا، فانّه خارج عمّا نحن فيه و لا يسع التّكلّم فيه أزيد من ذلك، و الغرض في المقام بيان تغاير الطلب و الإرادة، و قد عرفت بما لا مزيد عليه تغايرهما.
هذا كلّه في إرادات العباد و أفعالهم التّكوينيّة، و قس على ذلك الطلب و الإرادة التّشريعيّة، فانّ المبادي الّتي يتوقّف عليها الفعل التّكويني كلّها ممّا يتوقّف عليها الأمر التّشريعيّ، غايته: انّ الطّلب في التّكوينيّات انّما هو عبارة: عن تصدّى