فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٦٢ - الأمر الثاني
لا يحتاج إلى توسيط حكم شرعيّ، بل البحث في المقام نظير البحث عن مسألة الضدّ و مسألة اجتماع الأمر و النّهى يتوقّف على ثبوت امر أو نهى شرعيّ، حتّى تصل النّوبة إلى حكم العقل بالملازمة كما في مسألتنا، أو اقتضاء النّهى عن الضّد كما في مسألة الضّد، أو جواز الاجتماع و عدمه كما في مسألة جواز اجتماع الأمر و النّهى، و لكن القوم لمّا لم يفرّدوا بابا للبحث عن الملازمات العقليّة- مع انّه كان حقّه ذلك أدرجوا المسألة و ما شابهها في مباحث الألفاظ مع انّها ليست منها كما لا يخفى.
الأمر الثّاني:
ليس الوجوب المبحوث عنه في المقام بمعنى اللابدّيّة العقليّة، فانّ ذلك ممّا لا سبيل إلى إنكاره إذ هو معنى المقدّميّة كما هو واضح، و ليس المراد من الوجوب أيضا الوجوب التّبعي العرضي نظير وجوب استدبار الجدي عند وجوب استقبال القبلة، حيث انّ الاستدبار لم يكن واجبا، و انّما ينتسب الوجوب إليه بالعرض و المجاز لمكان الملازمة نظير اسناد الحركة إلى الجالس في السّفينة، فانّ هذا المعنى من الوجوب أيضا ممّا لا ينبغي إنكاره، بل هو يرجع إلى المعنى الأوّل من اللابديّة، و كذا ليس المراد من الوجوب المبحوث عنه في المقام الوجوب الاستقلالي الناشئ عن مبادئ مستقلّة و إرادة متأصّلة، فانّ هذا المعنى ممّا لا يمكن الالتزام به، و كيف يمكن ذلك مع انّه كثيرا ما تكون المقدّمة مغفولا عنها و لا يلتفت إلى أصل مقدّميّتها، بل ربّما يقطع بعدمها، مع انّها في الواقع تكون مقدّمة، و هذا المعنى من وجوبها يستدعى الالتفات إليها تفصيلا.
بل المراد من الوجوب في المقام: هو الوجوب القهري المتولّد من إيجاب ذي المقدّمة، بحيث يريد المقدّمة عند الالتفات إليها و لا يمكن ان لا يريدها، فالمقدّمة متعلّقة لإرادة الآمر، و ليس اسناد الوجوب إليها بالعرض و المجاز بل يكون الإسناد على وجه الحقيقة، و لكن ليست الإرادة عن مبادئ مستقلّة، بل يكون مقهورا في إرادتها بعد إرادة ذي المقدّمة و لو على جهة الإجمال، بحيث تتعلّق الإرادة بالعنوان الكلّي الّذي يتوقّف عليه ذو المقدّمة و ان لم يلتفت إلى المقدّمات الخاصّة، و لكن المقدّمات الخاصّة تتّصف بالوجوب حقيقة بعد انطباق العنوان عليها.