فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٢٣ - (الأمر الثاني)
القدرة و عدم جواز تفويتها لا يتوقّف على فعليّة وجوب ما يجب حفظ القدرة له، على ما تقدم تفصيله في المقدّمات المفوّتة. و كذا لا فرق بين ان يكون الغير المشروط بالقدرة الشّرعيّة أهمّ ممّا يكون مشروطا بها، أو مساويا له، أو أضعف منه، لأنّه على جميع التّقادير يكون معجزا مولويّا، امّا بنفسه، و امّا بخطاب لزوم حفظ القدرة له، فأيّ واجب فرض يكون مقدّما على الحجّ مثلا عند المزاحمة، سواء كان أهمّ من الحجّ أو أضعف، و سواء كان وجوبه فعليّا، أو مشروطا بشرط يتحقق بعد ذلك. كلّ ذلك لمكان عدم اشتراط ذلك الواجب بالقدرة الشّرعيّة.
ثمّ انّ في المقام إشكالا ربّما يختلج في البال، و حاصله: انّه لا طريق لنا إلى معرفة تقييد المتعلّق بالقدرة شرعا و عدم تقييده، لأنّه في غير المقام لو شكّ في التّقييد و عدمه فالإطلاق يدفعه، و امّا في المقام فلا سبيل إلى دفع احتمال التّقييد بإطلاق الخطاب.
امّا أوّلا: فلما عرفت من ان كلّ خطاب بنفسه يقتضى القدرة على متعلّقه، لأنّ حقيقة الخطاب ليس إلّا ترجيح أحد طرفي المقدور، فاعتبار القدرة على المتعلّق و تقييده بها انّما يكون من مقتضيات نفس الخطاب، بناء على ما هو الحقّ عندنا من انّ المدرك في اعتبار القدرة انّما هو اقتضاء الخطاب ذلك، لا مجرّد حكم العقل بقبح تكليف العاجز. و عليه بنينا فساد مقالة المحقّق الكركي من صحّة إتيان الفرد الواجب الموسّع المزاحم للمضيق امتثالا للأمر بالطّبيعة المنطبقة عليه قهرا فيجزي عقلا. و مع اقتضاء كلّ امر القدرة على متعلّقه كيف يصح التّمسك بإطلاق الأمر على عدم تقييد المتعلّق بالقدرة، حتى يقال: انّ القدرة المعتبرة فيه عقليّة لا شرعيّة، فيقدّم على ما قيّد بالقدرة الشّرعيّة عند المزاحمة، بل نتيجة اقتضاء الخطاب القدرة على متعلّقة هو انّ القدرة في جميع التّكاليف تكون شرعيّة، و ليس لنا ما يكون القدرة المعتبرة فيه عقليّة محضة ليترتّب عليها ما يترتّب.
و امّا ثانيا: فلأنّه هب انّ اقتضاء الخطاب ذلك لا يوجب تقييد المتعلّق شرعا بالقدرة، إلّا انّه لا أقلّ من ان يكون من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة المانع من التّمسك بالإطلاق، لأنّه لا إشكال في صلاحية اقتضاء الخطاب