فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٤٧ - الأمر الثاني
عرفت: من لزوم تقدم الموضوع على الحكم، ففعلية الحكم تتوقف على وجود الموضوع، فلو فرض ان العلم بالحكم أخذ قيدا في الموضوع يلزم توقّف الموضوع على الحكم، لأنّ من أجزاء الموضوع العلم بالحكم، فلا بدّ من وجود الحكم ليلتئم الموضوع بما له من الأجزاء، و هذا كما ترى يلزم منه الدّور المصرّح، غايته انّ التّوقّف من أحد الجانبين يكون شرعيّا و هو توقّف الحكم على الموضوع لأنّ الموضوع انّما يكون بحسب الجعل الشّرعيّ إذ لو لم يعتبره الشّارع لما كاد ان يكون موضوعا، و من الجانب الأخر يكون عقليّا و هو توقّف الموضوع على الحكم، لأنّ توقّف العلم الّذي أخذ قيدا للموضوع على المعلوم الّذي هو الحكم حسب الفرض عقلي، و لك ان تجعل التّوقف من الجانبين عقليّا فتأمل.
و على كلّ حال، لا إشكال في لزوم الدّور ان أخذ العلم بالحكم قيدا للموضوع في مقام فعليّة الحكم. و امّا ان أخذ قيدا في مقام الإنشاء فربّما يتوهّم عدم المانع من ذلك، لأنّ إنشاء الحكم لا يتوقّف على وجود الموضوع و ان توقّف فعليّته عليه، بل إنشاء الأحكام انّما يكون قبل وجود موضوعاتها، فيرتفع التّوقّف من أحد الجانبين هذا.
و لكن أخذ العلم بالحكم قيدا للموضوع في مرحلة الإنشاء و ان لم يلزم منه الدّور المصطلح، إلّا انّه يلزم منه توقّف الشّيء على نفسه ابتداء بدون توسيط الدّور.
و توضيح ذلك: هو انّ الدّور عبارة عن الذّهاب و الإياب في سلسلة العلل و المعلولات، بان يقع ما فرض كونه علّة لوجود الشّيء في سلسلة معلوله، امّا بلا واسطة كتوقّف (ا) على (ب) و (ب) على (ا) أو مع الواسطة كما إذا فرض توسط (ج) في البين، و الأوّل هو المصرّح، و الثّاني هو المضمر.
و الوجه في امتناع الدّور، هو لزوم تقدّم الشّيء على نفسه الّذي هو عبارة عن اجتماع النّقيضين، فانّ هذا هو الممتنع الأوّلي العقلي الّذي لا بدّ من رجوع كلّ ممتنع إليه، و إلّا لم يكن ممتنعا، فالممتنع الأولى هو ان يكون الشّيء موجودا في حال كونه معدوما الّذي هو عبارة عن اجتماع الوجود و العدم في شيء واحد في آن واحد، و الدّور انّما يكون ممتنعا لأجل استلزامه ذلك، فان توقّف (ا) على (ب) يستدعى تقدّم