فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣١٧ - (الجهة الأولى)
في مباحث التزاحم
و حيث انجرّ الكلام إلى ذلك، فلا بأس بتفصيل الكلام في التّزاحم و أحكامه، حيث انّ الأعلام أهملوا ذلك، مع انّه ممّا يترتّب عليه فروع كثيرة، و كان حقّه ان يفرّدوا له عنوانا مستقلّا. و على كلّ حال: انّ تفصيل القول في التّزاحم يقع في مقامات ثلاثة:
المقام الأوّل
في الفرق بين التّزاحم و التّعارض و توضيح الفرق: هو انّه يفترق باب التّعارض عن باب التّزاحم من جهات:
(الجهة الأولى)
هي انّ باب التّعارض يرجع إلى تعاند المدلولين في مقام الثّبوت، بحيث لا يمكن جمعهما في مرحلة الجعل و التّشريع، لاستلزامه التّناقض و اجتماع الإرادة و الكراهة في نفس الآمر بالنسبة إلى متعلّق واحد، أو لزوم التّكليف بما لا يطاق لتضادّ المتعلّقين ذاتا مع اتّحادهما في الحكم، كما إذا أوجب القيام دائما و أوجب القعود كذلك، أو لتلازم المتعلّقين تلازما دائميا مع اختلافهما في الحكم، كما إذا أوجب استقبال المشرق و حرّم استدبار المغرب، أو غير ذلك ممّا لا يمكن فيه الجمع بين الحكمين ثبوتا لتعاندهما في مقام تشريع الأحكام على موضوعاتها المقدّرة وجوداتها، بحيث يلزم من الجمع: امّا اجتماع الإرادة و الكراهة في موضوع واحد، و امّا لزوم التكليف بما لا يطاق، كلّ ذلك في مقام الجعل و التّشريع.
و هذا بخلاف باب التّزاحم، فانّه لم يكن بين الحكمين المتزاحمين منافرة و تعاند في مقام الجعل و التّشريع، بل كان بينهما كمال الملاءمة و الموافقة، و انّما نشأ التّعاند في مقام فعليّة الحكمين و تحقّق موضوعهما خارجا، كالمزاحمة بين إنقاذي الغريقين، أو بين حرمة المقدّمة و وجوب ذيها، أو غير ذلك من أقسام التّزاحم على ما يأتي بيانه، فانّه لا محذور في تشريع إنقاذ كلّ غريق، أو تشريع حرمة التّصرف في ملك الغير و وجوب إنجاء المؤمن من الهلكة، إذ لا ربط لأحد الحكمين بالآخر، بل شرع كلّ منهما على موضوعه المقدّر وجوده من دون ان يستلزم ذلك التّشريع اجتماع الإرادة و الكراهة في شيء واحد، أو التّكليف بما لا يطاق، بل اتّفق التّزاحم في مقام