فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٦٧ - (الرابعة)
المعلوم: انّه لا مجال للبراءة في ذلك، لأنّ المقام يكون من صغريات الشّك في المحصّل الّذي لا تجري فيه البراءة، هذا كلّه إذا أردنا ان نستكشف الجامع من ناحية المعلول.
و امّا إذا أردنا ان نستكشفه من ناحية العلل و ملاكات الأحكام ففساده أوضح، و ذلك لعدم إمكان تعلّق التّكليف بالملاكات، لا بأنفسها، و لا بما يكون مقيدا بها، فلا تكون هي المسمّيات، و لا ما هو مقيّد بها.
و توضيح ذلك يستدعى بسطا من الكلام في المائز، بين باب الدّواعي، و بين باب المسبّبات التّوليديّة، حتّى يتضح انّ الملاكات، هل هي من قبيل الدّواعي؟ أو من قبيل المسبّبات التّوليديّة؟ و نحن و ان استقصينا الكلام في ذلك في الأصول العمليّة، بل تكرر منا الكلام في ذلك، إلّا انّه لا بأس بالإشارة الإجماليّة إليه في المقام، لما فيه من المناسبة و نحيل تفصيله إلى تلك المباحث.
فنقول: انّ المقصود الأصلي و الغرض الأولى للفاعل تارة: يكون هو بنفسه فعلا اختياريا للمكلّف من دون نظر إلى ما يترتب على ذلك الفعل من الأثر، بل انّ نفس الفعل يكون مقصودا بالأصالة، كما إذا كان مقصوده القيام أو القعود و أمثال ذلك.
و أخرى: يكون المقصود الأصلي و الغرض الأولى هو الأثر المترتّب على ذلك الفعل الاختياري، بحيث يكون الفعل لمجرّد المقدّميّة للوصول إلى ذلك الأثر. و هذا أيضا تارة: يكون الفعل الاختياري تمام العلّة أو الجزء الأخير منها لحصول ذلك الأثر، بحيث لا يتوسّط بين الفعل و بين ذلك الأثر شيء آخر أصلا، كالإلقاء بالنّسبة إلى الإحراق، حيث انّ أثر الإحراق يترتّب على الإلقاء في النّار ترتّب المعلول على علته، من دون ان يتوسّط بين الإلقاء و الإحراق شيء أصلا. و أخرى: يكون الفعل الاختياري مقدّمة إعداديّة لترتّب ذلك الأثر المقصود، بحيث يتوسّط بين الفعل الاختياري و بين الأثر أمور أخر، كالزّرع فانّ الأثر المترتب على الزّرع هو صيرورته سنبلا، و من المعلوم: انّ الفعل الاختياري: من البذر و السّعي و الحرث، ليس علّة تامة لتحقّق السّنبل، إذ يحتاج صيرورة الزّرع سنبلا إلى مقدّمات أخر متوسّطة بين ذلك و بين الفعل الاختياري، كإشراق الشّمس، و نزول الأمطار،