فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤١ - الأمر الثاني
ذلك. و ليس مرادهم انّ هناك لفظا منويا في الكلام و مقدّرا فيه، بل الظّرف المستقرّ هو بنفسه يفيد ذلك من دون ان يكون هناك تقدير في الكلام، إذ معنى قولك: زيد في الدّار، هو وجود زيد في الدّار، و انّه كائن فيها. و هذا بخلاف قولك: ضرب زيد في الدّار، فانّه يفيد نسبة الضّرب الحاصل من زيد إلى الدّار، فالظّرف اللّغو ما أفاد نسبة المبدأ إلى ملابسات الفعل بعد فرض تحقّق المبدأ و صدوره عن الفاعل. و هكذا الكلام في كلمة (على) حيث انّها تارة: تفيد نسبة قيام العرض، و أخرى:
تفيد نسبة الملابسات، فيقال زيد على السّطح، و ضرب زيد على السّطح، و كذا الكلام في كلمة (من) فانّها تارة يكون الظّرف فيها مستقرّا كقوله صلى اللَّه عليه و آله: حسين منّي و انا من حسين، و أخرى: يكون لغوا كقولك: سرت من البصرة، حيث انّها تفيد نسبة السّير إلى ملابسه من المكان المخصوص.
و حاصل الفرق بين الظّرف اللّغو و المستقرّ، هو انّ الظّرف المستقر ما كان بنفسه محمولا كقولك: زيد في الدّار، و الظّرف اللّغو يكون من متمّمات الحمل. فتحصل من جميع ما ذكرنا: انّ النّسبة على أقسام، و المتكفّل لبيانها أمور:
من هيئات التّراكيب، و الحروف الجارة. و ليكن هذا على ذكر منك لعلّه ينفعك في مبحث المشتق.
إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى ما كنّا فيه من انّ الهيئات و الحروف المفيدة للنّسبة أيضا تكون معانيها إيجادية لا إخطاريّة.
فنقول:
قد تقدّم انّ منشأ توهّم ذلك هو تخيّل انّ هذه الحروف انّما تكون حاكية عن النّسبة الخارجية المتحقّقة من قيام إحدى المقولات بموضوعاتها، و من هنا تتصف بالصّدق و الكذب، إذ لو لا حكايتها عن النّسبة الخارجيّة لما كانت تتصف بذلك، بداهة انّ الإيجاديّات لا تتصف بالصّدق و الكذب، بل بالوجود و العدم، و ما يتّصف بالصّدق و الكذب هي الحواكي، حيث انّه ان طابق الحاكي للمحكي يكون الكلام صادقا، و إلّا فلا، فكلمة (من) في قولك سرت من البصرة إلى الكوفة تكون حاكية عن النسبة الخارجية الواقعة بين السّير و البصرة و مخطرة لها في ذهن