فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٠ - الأمر الثاني
الفاعليّة، الّتي هي واقعة في رتبة الصّدور و الوجود، إذ الفاعل ما كان يوجد عنه الفعل على اختلاف الأفعال الصّادرة عنه، فنسبة الفعل إلى الفاعل هي أوّل النّسب، و من ذلك تحصل الأفعال الثّلاثة من الماضي و المضارع و الأمر، على ما هي عليها من الاختلاف، إلّا انّ الجميع يشترك في كون النّسبة فيه نسبة التّحقق و الصّدور، و إيجاد المبدأ، فهذه أوّل نسبة تحدث بين العرض و الموضوع، ثمّ بعد ذلك تحدث نسبة المشتق، لأنّ المشتقّ انّما يتولّد من قيام العرض بالموضوع و الاتحاد في الوجود الموجب للحمل، فيقال: زيد ضارب، و من المعلوم: انّ هذا الاتحاد لمكان صدور الضّرب عنه، فالنّسبة الأوليّة الحادثة هي النّسبة الفاعليّة، و في الرتبة الثّانية تحدث نسبة المشتق، ثمّ بعد ذلك تصل النّوبة إلى نسبة الملابسات من المفاعيل الخمسة، من حيث انّ وقوع الفعل من الفاعل لا بدّ و ان يكون في زمان خاصّ، و مكان مخصوص، في حالة خاصّة، فالنّسبة الحاصلة بين الفعل و ملابساته انّما هي بعد نسبة الفعل إلى الفاعل و قيامه به و اتّحاده معه المصحّح للحمل، فهذه النّسب الثّلاث هي الّتي تتكفّلها هيئة تراكيب الكلام، من قولك: ضرب زيد عمرا، و زيد ضارب، و غير ذلك.
ثمّ انّ هناك أدوات أخر تفيد النّسبة، إذ لا يختص ما يفيد النّسبة بهيئات التّراكيب، بل الحروف أيضا تفيد النّسبة ك (من) و (إلى) و (على) و (في) و غير ذلك من الحروف الجارّة، فانّ (من) مثلا تفيد نسبة السّير الصّادر من السّائر إلى المكان المسير عنه، و (إلى) تفيد النّسبة إلى المكان الّذي يسير إليه، فيقال: سرت من البصرة إلى الكوفة، فلو لا كلمة (من) و (إلى) لما كاد يكون هناك نسبة بين السّير و البصرة و الكوفة. و كذا الكلام في كلمة (في) حيث انّها تفيد النّسبة بين الظّرف و المظروف، فيقال: زيد في الدّار، و ضرب زيد في الدار، غايته انّها تارة: تفيد نسبة قيام العرض بالموضوع، فيكون الظّرف مستقرّا، و أخرى: تفيد نسبة ملابسات الفعل، فيكون الظّرف لغوا، فمثل زيد في الدّار يكون من الظّرف المستقر، إذ معنى قولك: زيد في الدار، هو ان زيدا موجود في الدار و كائن فيها، و هذا معنى قول النحاة في تعريف الظرف المستقر بأنه ما قدّر فيه: كائن، و مستقرّ، و حاصل، و ما شابه