فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٧٧ - الأول
و هذا بخلاف باب المنشآت، فانّها أمور اعتباريّة، و يكون زمامها بيد المعتبر النافذ اعتباره، و له إيجادها على أيّ وجه أراد. فالّذي بيده زمام الملكيّة، له ان يوجد الملكيّة في الحال، و له ان يوجدها في المستقبل كما في الوصيّة، فلو أنشأ الملكيّة في المستقبل بمعنى انّه جعل ملكيّة هذا الشّيء لزيد في الغد فلا بدّ من ان توجد الملكيّة في الغد، و إلّا يلزم تخلّف المنشأ عن الإنشاء.
و كذا الحال في الأحكام الشرعيّة، فانّ زمام الأحكام بيد الشارع، فله جعلها و إنشاؤها على أيّ وجه أراد، فلو جعل الحكم على موضوع ليس له وجود في زمان الجعل بل يوجد بعد الف سنة، فلا بدّ ان يوجد الحكم عند وجود موضوعه و لا يمكن ان يتخلّف عنه. و السّر في ذلك: هو انّه الآن يلاحظ ذلك الزّمان المستقبل و يجعل الحكم في ذلك الزّمان، حيث انّ اجزاء الزمان بهذا اللّحاظ تكون عرضيّة كأجزاء المكان، فكما انّه يمكن وضع الحجر في المكان البعيد عن الواضع إذا أمكنه ذلك لطول يده، كذلك يمكن وضع الشّيء في الزّمان البعيد لمن كان محيطا بالزّمان.
فظهر معنى كون إنشاءات الأحكام أزليّة، و انّ تحقّق المنشأ يكون بتحقّق الموضوع و لا يلزم منه تخلّف المنشأ عن الإنشاء، و انّما التّخلف يحصل فيما إذا وجد غير ما أنشأه، امّا لمكان الاختلاف في الكيف، و امّا لمكان الاختلاف في الزّمان، أو غير ذلك من سائر أنحاء الاختلافات. فتأمل في المقام جيّدا، لئلا ترسخ الشّبهة المتقدّمة في ذهنك.
فظهر الفرق، بين القضيّة الخارجيّة و القضيّة الحقيقيّة، بعدم تخلّف زمان الفعليّة عن الإنشاء في الخارجيّة نظير الهبة، و تخلّفه في الحقيقية نظير الوصيّة. فهذه هي الجهة الثّانية الّتي تمتاز إحداهما عن الأخرى.
الجهة الثّالثة:
انّ السّببيّة المتنازع فيها من حيث كونها مجعولة أو غير مجعولة و انّ المجعول الشّرعي هل هو نفس المسبّبات عند وجود أسبابها أو سببيّة السّبب، انّما يجري في القضايا الحقيقيّة، دون القضايا الخارجيّة، لوضوح انّ القضايا الخارجيّة ليس لها موضوع أخذ مفروض الوجود حتّى يتنازع في انّ المجعول ما هو، بل ليس فيها إلّا