فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٦٩ - الأمر الثاني ١
صورة كون الجاهل مقصّرا. و كيف يعقل الخطاب التّرتّبي مع انّه عبارة عن أخذ عصيان أحد التّكليفين شرطا للتّكليف الآخر؟ و معلوم انّ الجاهل بالتّكليف و ان كان عن تقصير لا يرى نفسه عاصيا و لا يلتفت إلى ذلك، إذ الالتفات إلى كونه عاصيا يتوقّف على العلم بالتّكليف، فيخرج عن كونه جاهلا، فلا يعقل ان يقال: أيّها العاصي للتّكليف المجهول يجب عليك كذا، فانّه بمجرّد التفاته إلى كونه عاصيا ينقلب جهله بالتّكليف إلى كونه عالما به.
و هذا نظير ما قلنا في محلّه: من انّه لا يعقل تكليف النّاسي لجزء بالفاقد له، لأنّه بمجرد الالتفات إلى كونه ناسيا يخرج عن كونه ناسيا. و من هنا ظهر: انّ تصحيح عبادة تارك الجهر أو الإخفات و القصر أو الإتمام بالخطاب التّرتّبي- كما عن الشّيخ الكبير كاشف الغطاء- [١] ممّا لا يستقيم. إذ لا يعقل ان يقال: أيّها العاصي بترك الجهر أخفت أو بالعكس، لأنّ التفاته إلى كونه عاصيا يستدعى العلم بوجوب الجهر عليه و مع علمه بوجوب الجهر لا يصح الإخفات منه، إذ صحّة الإخفات مقصورة بصورة الجهل بوجوب الجهر عليه.
و لا يتوهّم: انّه لا يتوقّف صحّة التّكليف بالإخفات على الالتفات إلى كونه عاصيا للجهر، بل يكفى كونه عاصيا في الواقع، كما حكى عن الشّيخ (قده) نظير هذا في النّاسي [٢] و قال بصحّة تكليف النّاسي و ان لم يلتفت إلى كونه ناسيا، بل يرى نفسه ذاكرا إلى انّه يقصد الأمر المتوجّه إليه واقعا، غايته انّه يتخيّل انّه ذاكر
______________________________
[١] قال في مقدمة كشف الغطاء:
«ان انحصار المقدمة بالحرام بعد شغل الذّمّة لا ينافى الصحة و ان استلزم المعصية، و أي مانع من ان يقول الآمر المطاع لمأموره: إذا عزمت على معصيتي في ترك كذا فافعل كذا كما هو أقوى الوجوه في حكم جاهل الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام ...» (مقدمات كشف الغطاء، البحث الثامن عشر من المقصد الأوّل من الفنّ الثاني، ص ٢٧
[٢] ذكر المحقق المقرر قدس سره في المجلد الثاني من الفوائد، في الأمر الأوّل من تنبيهات الأقل و الأكثر «هذا ما حكاه شيخنا الأستاذ مد ظله عن تقريرات بعض الأجلة لبحث الشيخ قدس سره في مسائل الخلل و هو إلى الآن لم يطبع» الأمر الأوّل من تنبيهات الأقل و الأكثر، الجهة الأولى من المقام الثاني ص ٧٠ الطبعة القديمة