فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٤٨ - الأمر الثاني
(ب) في الوجود على (الف)، فلو فرض توقّف (ب) على (الف) أيضا يلزم تقدّم (الف) على (ب) المفروض تأخّره عنه، و يرجع بالأخرة إلى توقّف (الف) على نفسه، فلو فرض في مورد لزوم هذا المحذور بلا توسّط الدّور، فهو أولى بان يحكم عليه بالامتناع.
و بعد ذلك نقول في المقام: لو أخذ العلم بالحكم قيدا للموضوع في مرحلة الإنشاء يلزم تقدّم الشّيء على نفسه، و ذلك لأنّه لا بدّ من فرض وجوده بما انّه مرآة لخارجه قبل وجود نفسه، إذ الإنشاءات الشّرعيّة انّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة الّتي هي المعتبرة في العلوم، و ليست من القضايا العقليّة الّتي لا موطن لها إلّا العقل، و لا من أنياب الأغوال الّتي تكون مجرّد فرض لا واقعيّة لها أصلا، بل الإنشاءات الشّرعيّة انّما هي عبارة عن جعل الأحكام على موضوعاتها المقدّرة وجوداتها، و هذا الجعل انّما يكون قبل وجود الموضوعات في الخارج، و عند وجودها تصير تلك الأحكام فعليّة.
و حينئذ لو فرض أخذ العلم بالإنشاء قيدا للموضوع في ذلك المقام، فلا بدّ من تصور الموضوع بما له من القيود لينشأ الحكم على طبقه، و المفروض انّ من قيود الموضوع العلم بهذا الإنشاء نفسه، فلا بدّ من تصوّر وجود الإنشاء مرآة لخارجه قبل وجود نفسه، و هذا كما ترى يلزم منه تقدّم الإنشاء على نفسه، و هو ضروريّ الامتناع.
و الحاصل:
انّه لو أخذ العلم بالحكم قيدا في مقام الإنشاء، و المفروض انّه لا حكم سوى ما أنشأ، فلا بدّ من تصوّر وجود الإنشاء قبل وجوده ليمكن أخذ العلم به قيدا، و ليس ذلك مجرّد قضيّة فرضيّة من قبيل أنياب الأغوال، حتّى يقال: لا مانع من تصوّر وجود الشّيء قبل نفسه لإمكان فرض اجتماع النّقيضين، بل قد عرفت: انّ الأحكام الشّرعيّة و إنشاءاتها انّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة القابلة الصّدق على الخارجيّات، و تصوّر وجود الشّيء القابل للانطباق الخارجي قبل وجود نفسه محال هذا كلّه في الانقسامات اللاحقة للموضوع المترتّبة على الحكم.