فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٥٤ - (الأمر الثالث)
كونه محرزا للواقع، غايته انّ العلم محرز بذاته، و تلك محرزة بالجعل التّشريعيّ.
(الأمر الثّالث)
بعد ما عرفت من انّ جعل الأمارات و الأصول واقع في رتبة الإحراز، يظهر لك انّ طريقيّة الطّريق و محرزيّته يتوقّف على وجود العلم به، بان يكون واصلا لدى المكلف عالما به موضوعا و حكما، إذ لا معنى لكون الشّيء طريقا و حجّة فعليّة مع عدم الوصول إليه، لأنّ طريقيّته انّما تكون لمحرزيّته و محرزيّته تتوقّف على الوصول، و بذلك تمتاز الطّرق و الأصول عن الأحكام الواقعيّة، فان ثبوت الأحكام الواقعية و تحققها لا يتوقف على العلم بها، و انما العلم يكون موجبا لتنجيزها بخلاف الأمارات و الأصول، فانّ أصل تحقّقها يتوقّف على العلم بها.
لا أقول انّ أصل إنشائها و جعلها يتوقّف على العلم بها، فانّ ذلك واضح البطلان لاستلزامه الدّور.
بل أقول تحقّق المنشأ خارجا و ثبوت وصف الحجّية و الطّريقيّة و المحرزيّة للشّيء فعلا يتوقّف على الوصول و الوجود العلمي، فإنشاؤها يكون نظير إيجاب الموجب الّذي لا يتحقّق ما أوجبه خارجا إلّا بقبول الأخر، كما انّ إنشاء الأحكام الواقعيّة يكون نظير الإيقاعات الّتي لا يتوقّف تحقّق منشئاتها على شيء.
و بالجملة: إنشاء الطّرق و الأصول و ان لم يتوقّف على العلم، إلّا انّ واجديّة المنشأ لصفة الطّريقيّة و المحرزيّة و كونه طريقا فعلا يتوقّف على العلم به، و لا معنى لطريقيّة طريق لم يعلم به المكلّف، كما إذا كان هناك خبر عدل لم يعثر عليه، فالخاصّ الّذي لم يعثر عليه المكلّف و لم يصل إليه لا يكون حجّة فعليّة، و لا طريقا محرزا، بل الحجّة الفعليّة و الطّريق المحرز هو العامّ، نعم بعد العثور على الخاصّ و الوصول إليه يتبدّل إحرازه و يخرج العامّ عن الطّريقيّة، و يكون الخاصّ ح طريقا.
و لا يتوهّم: انّ العامّ المخصّص واقعا الّذي لم يعثر المكلّف على مخصّصه لم يكن حجة واقعا بل كان من تخيّل الحجّة، فانّ ذلك واضح البطلان، لأنّ المفروض انّ الخاصّ لم يكن حجّة فعليّة، و حيث لم تخل الواقعة عن حجّة فالعامّ الّذي كان قد عثر عليه هو الحجّة فعلا، كما انّه لو لم يعثر على العامّ أيضا كان الأصل الجاري في