فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٩ - الأمر الرابع
الجامع بين الآليّة و الاستقلاليّة ممّا لا محصّل لها، إذ لا يعقل ان يكون المعنى لا مستقلّ و لا غير مستقل، فانّه يكون من ارتفاع النقيضين، فتأمل جيّدا.
و امّا الثّاني: فهو أوضح فسادا لما فيه.
أوّلا: من انّ ذلك مبنى على ان يكون للألفاظ واضع خاصّ حتى يتأتّى منه اشتراط ذلك، و قد تقدّم امتناع ذلك في أوّل المبحث، مع انّه لو فرض ثبوت واضع خاصّ فمن المقطوع انّه لم يشترط ذلك في مقام الوضع، لأنّ ذلك خارج عن وظيفة الواضع، إذ وظيفة الواضع انّما هو تعيين مداليل الألفاظ، لا تعيين تكليف على المستعملين، لأنّه لا ربط للاستعمال بالواضع.
و ثانيا: هب انّ الواضع اشترط ذلك، و فرض انّ هذا الشّرط ممّا يلزم العمل به، فما الّذي يلزم من مخالفة الشّرط باستعمال الحروف مقام الأسماء، إذ غاية ما يلزم هو مخالفة الواضع، و هذا لا يوجب كون الاستعمال غلطا، إذ لا يقصر عن المجاز، بل ينبغي ان يكون هذا أولى من المجاز، لأنّ المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و هذا استعمال في ما وضع له، غايته انه على غير جهة ما وضع له، و هذا لا يوجب استهجان الاستعمال، مع انّه من الواضح استهجان استعمال كلمة (من) في مقام كلمة (الابتداء) و (إلى) في مقام (الانتهاء) و (في) في مقام (الظّرفيّة).
أ لا ترى: انّه لو أراد المتكلّم ان يتكلم بألفاظ مفردة بلا نسبة، يصحّ ان يتكلّم بلفظة الابتداء، و الانتهاء، و الظّرف، و النّداء، و الخطاب، و غير ذلك من الألفاظ المفردة الّتي يكون لكلّ منها معنى متحصل في نفسه، بحيث يسبق إلى ذهن السّامع لتلك الألفاظ معانيها، و لا يصح ان يقال للمتكلّم: انّه ليس لمفردات كلامه معنى متحصّل، و ان صحّ ان يقال له: انّه ليس لكلامه نسبة يصح السكوت عليها. و هذا بخلاف التكلّم بلفظة (من) و (إلى) و (في) و (يا) و (كاف) و غير ذلك من الحروف، فأنّه لا يسبق إلى ذهن السّامع من هذه الألفاظ معنى أصلا، و يصحّ ان يقال للمتكلّم بذلك: انّه ليس لمفردات كلامه معنى، بل يعدّ هذا الوجه من التكلّم مستهجنا و مستبشعا، فهذا أقوى شاهد على مباينة الحروف للأسماء، و عدم اتّحاد معانيهما، بداهة انّ الاتّحاد في المعنى يوجب صحّة استعمال كلّ منهما في مقام الأخر، و