فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٧ - الأمر الثاني
و الحاصل: انّ المعنى الحرفيّ يكون قوامه بغيره، و نحو تقرّره و ثبوته بتقرّر الغير و ثبوته، كالنّسبة الابتدائية و الظرفية القائمة بالبصرة و الدّار عند قولنا: سرت من البصرة و زيد في الدّار. و لعلّ من توهم انّه ليس للحروف معنى اشتبه من قولهم في تعريف الحرف: بأنه ما دلّ على معنى في غيره، فتخيّل انّ مرادهم من ذلك هو انّه ليس له معنى، و لكن قد عرفت: انّه ليس مرادهم ذلك، بل مرادهم انّ المعنى الحرفي ليس قائما بنفسه نظير قيام المعنى الاسمي بنفسه.
و الفرق بين كونه علامة صرفة، و بين كون معناه قائما بغيره، هو انّه بناء على العلامة يكون الحرف حاكيا عن معنى في الغير متقرّر في وعائه، كحكاية الرّفع عن الفاعليّة الثّابتة لزيد في حدّ نفسه، مع قطع النّظر عن الاستعمال. و هذا بخلاف كون معناه قائما بغيره، فانّه ليس فيه حكاية عن ذلك المعنى القائم بالغير، بل هو موجد لمعنى في الغير، على ما سيأتي توضيحه إن شاء اللّه تعالى.
الأمر الثاني:
لا إشكال في انّ المعاني المرادة من الألفاظ على قسمين منها: ما تكون إخطاريّة، و منها: ما تكون إيجاديّة امّا الأولى: فكمعاني الأسماء حيث انّ استعمال ألفاظها في معانيها يوجب إخطار معانيها في ذهن السّامع و استحضارها لديه، و السّر في ذلك هو ما ذكرناه من انّ المفاهيم الاسميّة لها نحو تقرّر و ثبوت في وعاء العقل، الّذي هو وعاء الإدراك، فيكون استعمال ألفاظها موجبا لإخطار تلك المعاني في الذّهن.
و امّا الثّانية: فكمعاني الحروف حيث انّ استعمال ألفاظها موجب لإيجاد معانيها من دون ان يكون لمعانيها نحو تقرّر و ثبوت مع قطع النّظر عن الاستعمال، بل توجد في موطن الاستعمال، و ذلك ككاف الخطاب و ياء النّداء، و ما شابه ذلك، بداهة انّه لو لا قولك يا زيد و إيّاك، لما كان هناك نداء و لا خطاب، و لا يكاد يوجد معنى ياء النّداء و كاف الخطاب إلّا بالاستعمال و قولك يا زيد و إيّاك، فنداء زيد و خطاب عمرو انّما يوجد و يتحقق بنفس القول، فتكون ياء النّداء و كاف الخطاب موجدة لمعنى لم يكن له سبق تحقق، بل يوجد بنفس الاستعمال، لوضوح انّه