فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣١٦ - تبصرة
بلا موجب، بل يكفى في صحّة العبادة اشتمالها على الملاك التّامّ سواء امر بها فعلا كما إذا لم يتزاحم ما هو أهمّ منها، أو لم يؤمر بها فعلا كما في صورة المزاحمة، فوجود الأمر و عدمه سيّان في ذلك.
و لكن مع ذلك لا تظهر الثّمرة في اقتضاء الأمر بالشّيء للنّهي عن ضدّه، لأنّه هب انّ الضّد يكون منهيّا عنه، و لكن لمّا كان النّهى غيريّا لمكان الملازمة أو المقدّميّة- على الوجهين الّذين بنوا عليهما النّهى عن الضّد- لم يكن ذلك موجبا لخلل في الملاك، بل الضّدّ يكون باقيا على ما هو عليه من الملاك لو لا المزاحمة، و ليس النّهى في المقام عن ملاك يقتضيه، كما في باب النّهى عن العبادة، و باب الاجتماع الأمر و النّهى بناء على الامتناع و تقديم جانب النّهى، فانّ النّهى في البابين يكون استقلاليّا عن ملاك يقتضيه و لم يبق معه الملاك المصحح للعبادة، لأنّه لا يتعلّق النّهى الاستقلاليّ بالعبادة إلّا لمكان أقوائية ملاك النّهى و المفسدة الّتي أوجبته عن ملاك العبادة و مصلحتها، و معه لا يكون في العبادة ملاك تام يقتضى صحّة العبادة. و هذا بخلاف النّهى الغيري المتعلّق بالعبادة، فانّه لمّا لم يكن عن مفسدة تقتضيه بل كان لمجرّد المزاحمة لواجب آخر أهمّ و الوصلة إليه كانت العبادة على ما هي عليه من الملاك التّامّ المقتضى لصحّتها.
و ممّا ذكرنا ظهر فساد ما تسالموا عليه من فساد العبادة بناء على اقتضاء الأمر بالشّيء للنّهي عن ضدّه، لما عرفت من انّه لا فساد حتى بناء على الاقتضاء لصحّة الضد بالملاك الّذي لا يضرّه النّهى الغيري.
و امّا توهّم انّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك، لتعارض الأمر بالإزالة مثلا مع الأمر بالصّلاة، و بعد تقديم الأمر بالإزالة، امّا لضيق وقتها، و امّا لأهميّتها، لم يبق مجال لاستكشاف الملاك للصّلاة كما هو الشّأن في جميع موارد التّعارض، حيث انّه لا يمكن القول ببقاء الملاك لأحد المتعارضين عند تقديم الآخر لأحد موجبات التّقديم ففساده غنيّ عن البيان، لوضوح انّه ليس المقام من باب التّعارض، بل من باب التّزاحم، و كم بين البابين من الفرق بحيث لا يمكن ان يشتبه أحدهما بالآخر.