فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٣٢ - (الأمر الرابع)
على المقدمات السّابقة من التّصديق، و العزم، و الجزم، و يطلق عليها الإرادة هذا.
و لكن فيه: ما فيه، إذ دعوى ذلك لا يكون إلّا بدعوى انّ الإرادة لها مفهوم واسع، يسع المقدّمات السّابقة و ما هو فعل النّفس، و الحال انّه ليس كذلك، إذ الإرادة كيفيّة خاصّة للنّفس تحدث بعد حدوث مباديها فيها، و لذا تسمى بالشّوق المؤكد، إذ التّعبير بذلك انّما هو لبيان انّه ليس كلّ ما يحدث في النّفس يسمّى بالإرادة، بل الإرادة انّما تحدث بعد التّصور و التّصديق و غير ذلك من مباديها، و إطلاق الإرادة على بعض المبادي أحيانا انّما هو لمكان التّسامح في توسعة المفهوم، لا انّ المفهوم هو بنفسه موسع بحيث يشمل ذلك. فظهر: انّه لا سبيل إلى دعوى الاتّحاد، بل المغايرة بينهما عرفا أوضح من ان تخفى.
بل لا يمكن دفع شبهة الجبر إلّا بذلك، بداهة انّه لو كانت الأفعال الخارجيّة معلولة للإرادة لكان اللازم وقوع الفعل من فاعله بلا اختيار، بل يقع الفعل قهرا عليه، إذ الإرادة كما عرفت، كيفيّة نفسانيّة تحدث في النّفس قهرا بعد تحقّق مباديها و عللها، كما انّ مبادئ الإرادة أيضا تحصل للنّفس قهرا، لأنّ التّصور امر قهري للنّفس، و هو يستتبع التصديق استتباع العلّة لمعلولها و هو يستتبع العزم و الإرادة كذلك استتباع العلّة لمعلولها، و المفروض انّها تستتبع الفعل الخارجي كذلك، فجميع سلسلة العلل و المعلولات انّما تحصل في النّفس عن غير اختيار، و مجرد سبق الإرادة لا يكفى في اختيارية الفعل. و ليس كلامنا في الاصطلاح حتى يقال: انهم اصطلحوا على انّ كل فعل يكون مسبوقا بالإرادة فهو اختياري، إذ هذا الاصطلاح ممّا لا يغنى عن شيء، لأن كلامنا في واقع الأمر و مقام الثبوت، و انّه كيف يكون الفعل اختياريّا؟ مع انّه معلول لمقدّمات كلّها غير اختياريّة، فكيف يصح الثّواب و العقاب على فعل غير اختياريّ؟
و الحاصل: انّه لو كانت الأفعال معلولة للإرادة، و كانت الإرادة معلولة لمبادئها السّابقة، و لم يكن بعد الإرادة فعل من النّفس و قصد نفسانيّ، لكانت شبهة الجبر ممّا لا دافع لها، و لقد وقع في الجبر من وقع مع انّه لم يكن من أهله، و ليس ذلك إلّا لإنكار التّغاير بين الطلب و الإرادة و حسبان انّه ليس وراء الإرادة شيء يكون