فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٣٨ - الأمر الأول
شرع لأن يتعبّد به العبد لربّه، و معلوم: انّ فعل الشّيء لإظهار العبوديّة لا يكون إلّا بفعله امتثالا لأمره، أو طلبا لمرضاته، أو طمعا في جنّته، أو خوفا من ناره أو غير ذلك ممّا يحصل به قصد التّقرب، على ما ذكرنا تفصيل ذلك في الفقه عند البحث عن نيّة الصّلاة،[١] و لا يكون الشّيء عبادة بدون ذلك كما لا يخفى.
و يقابلها التّوصّليّة، و هي ما لم يكن تشريعه لأجل إظهار العبوديّة.
و قد يطلق التّوصّليّة و يراد منها: عدم اعتبار المباشرة، أو عدم اعتبار الإرادة و الاختيار، أو عدم اعتبار الإباحة و السقوط بفعل المحرّم. و لا يخفى انّه النّسبة بين الإطلاقين هي العموم من وجه، إذ ربّما يكون الشّيء توصّلها بالمعنى الأوّل، أي (لم يشرع لأجل إظهار العبوديّة) و مع ذلك يعتبر فيه الإرادة و الاختيار، كوجوب ردّ التّحيّة، فانّه لا يعتبر فيه قصد التّعبد، و مع ذلك يعتبر فيه المباشرة، و ربّما ينعكس الأمر و يكون الشّيء توصّليّا بالمعنى الثّاني أي لا يعتبر فيه المباشرة و يسقط بالاستنابة و فعل الغير، و مع ذلك لا يكون توصّليّا بالمعنى الأوّل بل يكون تعبّديا، كقضاء صلاة الميّت الواجب على الوليّ، فانّه يعتبر فيه التّعبّد مع عدم اعتبار المباشرة. و على كلّ حال البحث يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في أصالة التّعبديّة المقابلة للتّوصّليّة بالمعنى الأوّل لها.
المقام الثّاني: في أصالة التّعبديّة المقابلة للتوصّليّة بالمعنى الثاني لها.
و لنقدم الكلام في المقام الثّاني، ثمّ نعقّبه بالمقام الأوّل.
فنقول: انّ الحقّ فيه، هو أصالة التّعبديّة، بمعنى اعتبار المباشرة و الإرادة و الاختيار و الإباحة، فلا يسقط بفعل الغير، و لا بلا إرادة و اختيار، و لا بفعل المحرّم، إلّا ان يقوم دليل على عدم اعتبار أحد القيود الثّلاثة أو جميعها، و لكن تحرير الأصل بالنّسبة إلى هذه القيود الثّلاثة يختلف، و ليس هناك أصل واحد يقتضى القيود الثّلاثة. فينبغي تحرير الأصل الجاري في اعتبار كلّ قيد على حدة.
[١] راجع تفصيل هذه البحث في المجلد الثاني من تقرير أبحاث المحقق النائيني قدس سره في مباحث الصلاة لتلميذه المحقق الحاج شيخ محمد تقي الآملي طالب مضجعه. الفصل الأول من فصول افعال الصلاة ص ٢.