فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٣٩ - الأمر الأول
فنقول: امّا تحرير أصالة التّعبديّة، بمعنى اعتبار المباشرة و عدم سقوطه بالاستنابة و فعل الغير، فيتوقّف على بيان كيفيّة نحو تعلّق التكليف فيما ثبت جواز الاستنابة فيه و سقوطه بفعل الغير تبرّعا، بعد ما كان هناك ملازمة بين جواز الاستنابة و جواز التبرع، فانّ كلما يدخله الاستنابة [١] يدخله التّبرع كذا العكس.
و ليعلم: انّ التّكليف لا يسقط بمجرّد الاستنابة فيما ثبت جواز الاستنابة فيه، بل انّما يسقط بفعل النّائب، لا بنفس الاستنابة، فيقع الأشكال ح في كيفيّة تعلّق التّكليف على هذا النّحو، و انّه من أيّ سنخ من الأقسام المتصوّرة في التّكاليف؟ من حيث الإطلاق و الاشتراط و التّعيينيّة و التّخييرية و غير ذلك من الأقسام.
فنقول: امّا تعلّق التّكليف بالنّسبة إلى المادة، أي الفعل المطالب به، فيكون على وجه التّعيين، بمعنى انّه لا يقوم شيء مقامه، كما يقوم العتق مقام الصّيام و الصّيام مقام الإطعام في خصال الكفّارة. و امّا من حيث جهة الصّدور عن الفاعل فلا يعتبر فيه التّعيينية، بمعنى انّه لا يعتبر فيه مباشرة المأمور بنفسه، و إصدار المكلّف بعينه، بل للمكلّف الاستنابة فيه و استئجار الغير له.
و بذلك يمتاز عن الواجب الكفائي، فانّ الوجوب فيه بالنّسبة إلى المادة و ان كان على وجه التّعيين، و لا يعتبر مباشرة شخص خاصّ فيه، إلّا انّ الوجوب فيه متوجّه إلى عامّة المكلّفين، بحيث انّ كلّ من أتى به فقد أتى بما هو واجب عليه نفسه، لا انّه يأتي به نيابة عن الغير. و هذا بخلاف المقام، فانّ الآتي بالعمل، سواء كان على وجه الاستنابة، أو على وجه التّبرع، انّما يأتي به عن الغير، و يقصد تفريغ ذمّة الغير، بحيث لو لم يأت به على هذا الوجه لكان الواجب بعد باقيا في ذمّة الغير و لا يسقط عنه، كما في القضاء عن الميّت، و أداء الدّين، و أمثال ذلك من الواجبات
______________________________
[١] إلّا في بعض فروع الجهاد، حيث يجوز الاستنابة فيه و يقع الفعل عن المنوب عنه و يترتب عليه قسمة الغنيمة و لا يدخله التّبرع بل يقع الفعل عن المتبرع، إلّا ان يتأمل في ذلك أيضا، فتأمل و راجع أدلة الباب- منه.